بعد ما يقارب عقدين من هيمنة الهاتف الذكي على تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد الشاشات المحمولة وحدها البوابة الرئيسية إلى العالم الرقمي، إذ بدأت ملامح تحول جديد تتشكل مع بروز النظارات الذكية كواجهة بديلة للتفاعل مع التكنولوجيا.
يأتي هذا التحول، في ظل وصول الهواتف إلى مرحلة من التشبع الابتكاري، حيث لم تعد التحديثات التقليدية قادرة على إحداث التأثير نفسه لدى المستخدمين، ما دفع الشركات إلى البحث عن تجربة أكثر اندماجًا وسلاسة. تعود أولى بوادر هذه التقنية إلى عام 2013، عندما أطلقت “غوغل” نظارة “غوغل لينس”، التي مثّلت أول محاولة حقيقية لإدخال الحوسبة القابلة للارتداء إلى الحياة اليومية. ورغم الطابع الثوري للفكرة، واجهت هذه التجربة عقبات عدة، من بينها السعر المرتفع والمشكلات التقنية مثل ضعف البطارية، إضافة إلى مخاوف الخصوصية المرتبطة بالكاميرا.
كما لم تحقق النظارة نجاحًا في السوق الاستهلاكية، لكنها وجدت طريقها إلى الاستخدامات المهنية، خصوصًا في المصانع والقطاع الطبي، قبل أن يتوقف بيعها نهائيًا عام 2023.
بعد سنوات من هذا الإخفاق، عادت النظارات الذكية إلى الواجهة، لكن برؤية مختلفة تقوم على البساطة والاندماج، فقد أدركت الشركات أن المستخدم لا يبحث عن جهاز غريب أو لافت، بل عن نظارة تقليدية المظهر مزودة بقدرات ذكية. وفي هذا السياق، برزت نظارات “ميتا رايبن” التي طورتها “ميتا”، وحققت انتشارا ملحوظا بفضل تصميمها الأنيق وخفة وزنها، إلى جانب قدرتها على تقديم وظائف عملية مدعومة بتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تشير التقديرات، إلى أن مبيعات هذا النوع من النظارات تجاوزت 7 ملايين وحدة خلال عام 2025، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في سلوك المستخدمين وتقبلهم لهذا الشكل الجديد من الأجهزة.
دخلت “آبل” بدورها هذا المجال عبر جهاز “أبل فيجن برو”، الذي قدم مفهوم “الحوسبة المكانية”، من خلال دمج العالمين الحقيقي والافتراضي في تجربة بصرية عالية الدقة، حيث رغم التفوق التقني، ظل الجهاز محدود الانتشار بسبب تكلفته المرتفعة ووزنه، إضافة إلى طبيعته التي تعزل المستخدم عن محيطه، وهو ما دفع الشركة إلى إعادة توجيه استراتيجيتها نحو تطوير نظارات خفيفة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتكامل مع هواتف “آيفون”، بحيث تصبح واجهة يومية لعرض الإشعارات والرد على الرسائل، وتقديم الترجمة الفورية وتوجيهات الملاحة دون الحاجة إلى استخدام الهاتف مباشرة.
موازاة مع ذلك، تتبنى “ميتا” مقاربة تقوم على جعل التكنولوجيا أقل ظهورًا وأكثر اندماجًا في الحياة اليومية، من خلال تطوير نظارات قادرة على عرض المعلومات مباشرة أمام عين المستخدم، مثل ترجمة النصوص أو التعرف على الأماكن، مع تقنيات تحكم تعتمد على إشارات بسيطة، ما يجعل التفاعل مع الجهاز أكثر طبيعية وأقل لفتا للانتباه.
بن عشور خديجة



