
لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في الجامعة الجزائرية مجرد أداة تقنية جديدة، يستعين بها الطلبة في إعداد العروض أو تلخيص الدروس أو البحث عن الأفكار، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين الطالب والمعرفة. فالسؤال اليوم لم يعد؛ هل يستخدم الطلبة هذه الأدوات؟ بل حول كيفية استخدامهم لها.
يرى الأستاذ “باسم كعباش”، أستاذ اللغة الإنجليزية والباحث في الدراسات الأدبية بجامعة مسيلة، في تصريحه لجريدة “البديل”، أن الذكاء الاصطناعي جلب للإنسانية “بركات أكثر بكثير من كونه مصدرًا للمخاطر”، خاصة في المجال التعليمي، حين يُستخدم بوعي. فهذه الأدوات، بحسب تقديره، يمكن أن تكون “معززًا معرفيًا”، يسمح للطلبة بتجاوز حدود المصادر التقليدية، والانتقال من التلقي السلبي إلى الإنتاج المعرفي الفعّال، من خلال توليد الأفكار وبناء تصورات متعددة للموضوع الواحد وحل المشكلات بطريقة إبداعية.
غير أن الوجه الآخر لهذا التحول، يطرح تحديات واضحة داخل الجامعة الجزائرية. فسهولة الحصول على الإجابة قد تجعل بعض الطلبة يتجاوزون مرحلة التفكير نفسها، فيلجؤون مباشرة إلى الهاتف أو التطبيق بدل منح المشكلة وقتها الطبيعي من التحليل والمحاولة. وهنا لا يصبح الخطر في الذكاء الاصطناعي كأداة، بل في الطريقة التي قد تُضعف استقلالية الطالب إذا تحوّل استخدامها إلى بديل عن الجهد الذهني.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل خاص في الأعمال الأكاديمية، حيث يمكن للطالب أن يقدّم بحثًا منظمًا ومصاغًا بلغة جيدة، لكنه لا يمتلك بالضرورة فهمًا عميقًا لما كتبه. وهذا ما يجعل الجامعة أمام تحدٍّ جديد، حول كيفية التميّيز بين العمل الذي يعكس فهم الطالب، والعمل الذي أنتجته الأداة نيابة عنه.
في هذا السياق، يشير “كعباش” إلى أن انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي رافقه “نقص كبير في استقلالية التفكير عند العديد من الطلبة”، إذ أصبح بعضهم يلجأ إلى الحل الجاهز بدل بناء رأي شخصي مدروس. ويربط هذا التحول بما حذّر منه الكاتب “كال نيوبورت” حول تآكل “العمل العميق”، أي القدرة على التركيز الطويل وبذل الجهد الذهني اللازم لبناء معرفة حقيقية. كما أن المسؤولية لا تقع على الطالب وحده، بل تشمل الأساتذة والمؤسسات الجامعية أيضًا. فنجاح إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم يحتاج إلى تكوين الأساتذة، وتحديث طرق التقييم، والاعتماد أكثر على المناقشة، والعروض الشفوية، والتحليل الشخصي، والمشاريع التي تكشف قدرة الطالب على الفهم لا مجرد قدرته على تقديم نص مكتوب بشكل جيد.
في هذا السياق، قد يكون التحدي الأكبر أمام الجامعة الجزائرية، ليس في استعمال الذكاء الاصطناعي، بل في التحكم فيه تربويًا. فالأداة نفسها يمكن أن تصنع طالبًا أكثر إبداعًا إذا استخدمها للمقارنة والتفكير وتوسيع الفهم، ويمكن أن تصنع طالبًا أكثر اتكالية إذا استخدمها كبديل عن القراءة والتحليل وبناء الرأي.
بن عشور خديجة



