
على أعتاب قصر المنيعة القديم، ذلك المعلم الذي ظل شاهدا على تحولات المجتمع الصحراوي عبر قرون، تعود الحركة الثقافية هذا العام بقوة، مع تنظيم الطبعة الثانية للمهرجان الثقافي المحلي لقصر المنيعة القديم بين 18 و21 ديسمبر 2025، تحت شعار دالّ ومعبّر: “تراثي هويتي”. هذا الحدث لم يعد مجرّد احتفال فلكلوري، بل أصبح مشروعا لإعادة قراءة التراث باعتباره رأسمالا رمزيا واقتصاديا يمكن البناء عليه.
حين تجتمع المعارض التراثية، العروض الفلكلورية، المنافسات الرياضية والندوات الفكرية في فضاء واحد، فهذا لا يعكس ثراء البرنامج فقط، بل يكشف توجها جديدا لدى المشرفين على القطاع الثقافي: تحويل التراث من عرض متحفي جامد إلى ورشة نقاش حيّة حول الهوية الجزائرية وامتداداتها التاريخية والاجتماعية.
يأتي تكريم عائلة المجاهد والشاعر “زايدي عبد القادر”، المعروف باسم “الشيخ الهامل”، ليؤكد هذا البعد، إذ يمثل الشاعر جزء من الذاكرة الشعبية التي ساهمت في تسجيل واقع المجتمع وإبراز روح المقاومة والتشبث بالأرض.
المهرجان في سياقه الوطني: ثقافة وطن ينصت إلى ذاكرته
تزامن هذا المهرجان مع الديناميكية الثقافية التي تعرفها العديد من ولايات الوطن، يشير إلى عودة الاهتمام بالموروث اللامادي كرافعة لبناء الوعي الجمعي، فالتراث ليس ماضيا بعيدا، بل هو حاضر يعاد تشكيله، يُنظر إليه كجسر بين ما كان وما يجب أن يكون، خصوصا في مناطق الجنوب ذات الرصيد التاريخي العميق.
وتكشف المعارض المتنوعة ـ من التراث الصحراوي والشاوي، إلى المعارض الفلسطينية والصناعات التقليدية والتمور والفنون ـ، رغبة في إبراز التعدد الثقافي داخل الهوية الجزائرية الموحدة.
فضاءات فكرية وإبداعية تُعيد صياغة علاقة المجتمع بتراثه
من بين أهم محطات المهرجان، الندوة الأدبية الفكرية التي تبحث في دور الشعر الشعبي والفصيح في عرض الواقع الاجتماعي والثقافي عبر الزمن.
هذا النوع من الفعاليات، يعكس انتقال المهرجان من دائرة الاحتفال إلى دائرة التفكير، حيث يُمنح الباحثون والشعراء مساحة لتحليل كيفية تحوّل التراث إلى خطاب ثقافي يعبر عن الذاكرة الجماعية. أما خيمة الشعر الشعبي والسهرات الفنية، فهي منصات لإحياء الإبداع المحلي ودعم الشباب، ما يضمن استمرارية الحلقات الفنية والحكايات الشفوية التي شكلت جزء كبيراً من هوية المنطقة.
لا تقتصر أهمية الحدث على الجانب الثقافي فحسب، بل تمتد إلى تنشيط الحركة الاقتصادية وتشجيع الحرفيين والسياحة الداخلية. فالمعارض المرافقة، والمنافسات الرياضية، ومشاركة الجمعيات والفرق الشعبية، كلها عوامل تصنع حركية اجتماعية واسعة خلال أيام المهرجان.
تصريح مدير الثقافة والفنون لولاية المنيعة ومحافظ المهرجان
وفي تصريح خص به جريدة “البديل” يعكس الرؤية الاستراتيجية للتظاهرة، قال “العابد ياسين”، مدير الثقافة والفنون لولاية المنيعة ومحافظ المهرجان الثقافي المحلي لقصر المنيعة القديم: “نحن نعمل على جعل قصر المنيعة القديم فضاءً ينبض بالحياة، وليس مجرد أثر تاريخي. هدفنا أن يستعيد المكان دوره كذاكرة ثقافية، وأن يتحول المهرجان إلى موعد سنوي يعيد الاعتبار للتراث ويصنع فرصاً اقتصادية وثقافية للسكان. اختيار شعار ‘تراثي هويتي’ لم يكن اعتباطيا، بل هو إعلانٌ عن توجه جديد يجعل من التراث أساسا لبناء مجتمع واثق بهويته ومتصل بجذوره”.
بهذه الرؤية، تبدو الطبعة الثانية من مهرجان قصر المنيعة القديم أكثر من مجرد فعالية محلية؛ إنها تجربة ثقافية جديدة تعيد الاعتبار للتراث، وتضع المنطقة على خارطة الفعل الثقافي الوطني، وتفتح الباب أمام مشاريع مستقبلية تُعنى بالثقافة كفضاء للتنمية والتواصل والتجدد.
الهوصاوي لحسن



