
لم تكن رحلة التشجير نحو حاسي الفحل وحاسي غانم مجرّد نشاط بيئي عابر، بل كانت رحلة بث حياة في أرض عطشى، ورسم ملامح مستقبل أكثر خضرة في مناطق، اعتاد سكانها أنواع الرمال والريح. ففي إطار البرنامج الذي أطلقته مديرية البيئة، تحرّكت مختلف الهيئات المحلية من محافظة الغابات إلى الديوان الوطني للتطهير، مرورًا بجمعية شباب المنيعة لحماية البيئة، لتوحيد جهودها في حملة تشجير واسعة حملت أكثر من معنى.
هذا التحرك الجماعي، الذي شارك فيه إداريون وتلاميذ، لم يكن مجرد غرس شتلات، بل كان غرسًا لقيم جديدة في نفوس الشباب: قيمة حماية الطبيعة، وروح المسؤولية، والإيمان بأن العمل التطوعي قادر على تغيير ملامح الأمكنة مهما بدت قاسية.
أما الطريق نحو حاسي لفحل، ذاك الطريق الطويل الذي يسميه السكان بـ “طريق الموت”، فكان شاهدًا على عزم المتطوعين الذين قطعوا أكثر من 160 كلم من أجل هدف واحد: أن يتركوا أثرا أخضر في أرض تفتقر إلى الظل، وأن يواجهوا قسوة المناخ بشجرة صغيرة قد تصبح يوما ملاذا للإنسان والحيوان على حد سواء.
وجاءت عملية التشجير امتدادا لجهود وطنية واسعة تسعى إلى استعادة الغطاء النباتي في الجنوب، أين يشكّل كل غرسة خطوة في مواجهة التصحر، وكل مبادرة فرصة لإعادة التوازن إلى بيئة تتعرّض لضغط مناخي متزايد. وقد اختيرت الأشجار المزروعة بعناية، لتكون قادرة على التأقلم مع حرارة المنطقة وشحّ المياه، بما يمنحها فرصة أفضل للاستمرار والازدهار.
لكن القيمة الأكبر لهذه العملية لم تكن في عدد الأشجار، بل في إحياء الوعي البيئي لدى سكان المنطقة، وفي إعادة ربط الإنسان ببيئته، وجعل حماية الطبيعة مسؤولية يومية لا موسمية. فالمشاركون، من شباب الجمعيات إلى المؤسسات العمومية، حملوا رسالة مفادها أن التشجير ليس احتفالا، بل التزام طويل المدى، وأن كل شجرة هي استثمار في المستقبل، وحكاية أمل تُكتب في عمق الصحراء.
وهكذا، عادت حاسي لفحل وحاسي غانم لتحتضن اليوم بقعا جديدة من اللون الأخضر، ولتشهد على أن الإرادة البشرية قادرة على زرع الحياة حتى في أكثر الأماكن جفافًا.
الهوصاوي لحسن



