
تستعد بلدية تيوت جنوب ولاية النعامة ـ الجزائرـ، لاحتضان الطبعة الثالثة من المخيّم الإفريقي والعربي للشباب ما بين 30 ديسمبر الجاري و2 جانفي المقبل، هذا المخيم الذي ستجري فعالياته تحت شعار “شباب إفريقيا، هوية مشتركة ومستقبل واحد”ـ يأتي في إطار “تعزيز الدبلوماسية الشبابية، وترسيخ ثقافة الحوار والتواصل الإفريقي المستدام بين الشباب”.
كما يعد فضاءً مميزًا لتلاقي الشباب الإفريقي والعربي، وتبادل الخبرات وتدعيم الصداقة، وبناء رؤية مشتركة لمستقبل أفضل. وسيشكل هذا الحدث “تجربة شبابية فريدة تجمع بين التبادل الثقافي، التقارب الحضاري والسياحة الشبابية”، حيث من المرتقب أن يشهد مشاركة “1200 شاب من مختلف الدول الإفريقية والعربية”. ومن شأن ذلك، أن “يعزز التكامل الإقليمي ويفتح آفاقا جديدة للتعاون بين القيادات الشبابية، فضلا عن المساهمة في إبراز المقومات السياحية والثقافية للجزائر كوجهة للشباب الإفريقي.
استقطاب مئات من الشباب من مختلف الدول والولايات
هذا الحدث ستحتضنه واحة تيوت جنوب النعامة بداية من اليوم، في استقطاب مئات من الشباب من مختلف الدول والولايات. في إطار مبادرة تهدف إلى تعزيز قيم التواصل والتعارف وتبادل الخبرات بين المشاركين. وأيضا لإبراز الصورة الحقيقية لما تزخر به منطقة تيوت من مؤهلات طبيعية وسياحية. باعتبارها فضاء يجمع الأصالة بجمال المكان، وتجربة تبقى راسخة في الذاكرة لدى الزائر.
تظاهرة المخيم الإفريقي والعربي للشباب، التي ستنظمها وزارة الشباب بواحة تيوت، بولاية النعامة، هي تحت إشراف السلطات الولائية بالنعامة وبمساهمة فعالة لجميع القطاعات. هذا، وتُعد واحة تيوت منطقة رطبة مصنفة ضمن اتفاقية رامسار الدولية، كما تُعتبر من أهم المواقع السياحية، وذلك بموجب المرسوم التنفيذي رقم 221/22 المؤرخ في 14 جوان 2022، حيث تمتد على مساحة تُقدّر بـ 20 هكتارا.
تعد ولاية النعامة قطبا سياحيا هاما بالجنوب الغربي، تتميز بشتى أنواع السياحة منها السياحة الثقافية، إذ تزخر هذه الأخيرة بالعديد من المحطات والأهم من ذلك تتواجد بها قصور عتيقة منتشرة عبر بلدياتها منها قصر تيوت وكذلك قصر مغرار، قصر صفيصفة وقصر عسلة.. أما السياحة الاجتماعية والدينية، فمنها تظاهرة سيدي احمد المجدوب، التي تعد من أكبر التظاهرات الثقافية المعروفة بالتسمية الشعبية “بالوعدة”، التي تخلد وفاة الولي الصالح “سيدي احمد المجدوب”، والشهيرة بالجهة الغربية عامة وبولاية النعامة خاصة، حيث يحييها السكان على امتداد عدة قرون تقريبا، كما توجد هناك عدة زوايا.
وفي هذا السياق، فإن ولاية النعامة لها مكاسب نادرة في الجانب السياحي الترفيهي منها تواجد واحات النخيل، سد تيوت، الصفيصفة، المغارات والكثبان الرملية التي تمتد من عين ورقة إلى الصفيصفة إلى ضواحي بلدية الجنين بورزق، مما جعل هذه المواقع الإستراتيجية الطبيعية تساهم بقدر كبير في جلب السياح من مختلف الجنسيات، وكذا استقطاب وكالات السياحة.
منطقة تيوت السياحية متحف مفتوح على الطبيعة
تحولت المناطق السياحية الواقعة جنوب النعامة إلى متحفا مفتوحا على الطبيعة، لذا باتت في الآونة الأخيرة قبلة للسياح الذين يقبلون وبكثافة على المنطقة لاكتشاف أسرار الطبيعة، فالرمال الذهبية والبحيرات المائية والجبال الصخرية ذات الألوان المتغيرة تبعا للقوة الضوئية والمناطق الأثرية والقصور والمتحجرات والمناطق الحموية، فضلا عن العادات والتقاليد التي بقيت صامدة أمام العولمة وتأثيراتها الجارفة.
حيث لا تزال تيوت متحفا مفتوحا على الطبيعة، فصخور المكان صفحات تروي قصص وحكايات السكان القدامى الذين استوطنوها، فبوسائل بدائية بسيطة وبذكائهم، أبدعوا في ابتكار تقنيات تعتمد على الرموز هذه الرموز، التي حاولوا من خلالها نقل جانب مهم من يوميات حياتهم، التي ارتكزت على الصيد بالدرجة الأولى.
كما أبرزوا الطقوس التي مارسوها في احتفالاتهم وأحزانهم، والوسائل التي استعملوها في حروبهم دفاعا عن الوطن، لتشكل بذلك منظومة اتصالية تضمن الترابط والتواصل بين الأجيال التي عمّرت بالمكان على مر الزمن وشاهدا ماديا على جذور المنطقة الضاربة في أعماق التاريخ، غير أن بعض النقاط باتت تعرف حالة متقدمة من الإهمال والتعدي الصارخ على ذاكرة المكان .الأمر الذي يستوجب تدخلا سريعا للجهات المسؤولة حفاظا على الموروث الثقافي والتاريخي الجزائري من الزوال .
صفحات تروي قصص وحكايات السكان القدامى
ويعود تاريخ اكتشاف النقوش الصخرية بمدينة تيوت، والتي تعتبر من روائع الفن البدائي العالمي إلى 25 أفريل 1847 ، من طرف البعثة الاستكشافية الفرنسية، حيث شملت الجدارية الشهيرة التي تحمل اسم (قصة صيد) وطولها 19 مترا والتي تروي حكاية الصراع من أجل البقاء في هذه المنطقة منذ أكثر من 8 آلاف سنة قبل الميلاد، كما تم اكتشاف النقوش الصخرية بالأطلس الصحراوي التي تبقى بحاجة إلى رعاية واهتمام كبير، لحماية هذا الإرث التاريخي النادر.
كما يوجد بالمنطقة قصر تيوت، الذي ينتمي إلى مجموعة القصور أو القصبات المحاذية للجزء الغربي من الأطلس الصحراوي في الجزائر، وتعرف الجبال المحاذية لها بجبال القصور. تمتد هذه القصور في الجزائر من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، وهي موازية لاتجاه السلسلة الأطلسية، تقع هذه القصور جنوب الهضاب العليا الغربية في الجزائر وشمال الصحراء الجزائرية، وتضم هذه القصور قصر مغرار التحتاني الذي يعد معقل ثورة الشيخ بوعمامة سنة1881م-1908م.
وكان لهذه الثورة بعد وطني وقومي ومغرار الفوقاني، صيفصيفة، عين الصفراء، تيوت وعسلة، وتأسست هذه القصور بسبب وجود منابع المياه والأودية، ولولاها لما وجدت، وكذلك نتيجة لظروف سياسية واقتصادية وثقافية، بحيث تدل مظاهرها المعمارية على جملة من الأفكار التي اعتمدت على الصدق الثقافي، الذي ترجم إلى استقرار وتاريخ ونمط حياة منذ فترة قديمة.
ابراهيم سلامي



