
ثروة منجمية قادرة على تغيير هيكلية الاقتصاد الوطني
يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور “عمراني سفيان” في هذا المقال، أن المشروع المنجمي الضخم ” غار جبيلات ” ليس مجرد استثمار ظرفي، بل يمثل رافعة اقتصادية حقيقية قادرة على إحداث نقلة نوعية في بنية الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل خارج المحروقات.
فهو يشكّل اليوم أحد أبرز الرهانات الاستراتيجية التي تعوّل عليها الجزائر لإعادة رسم ملامح اقتصادها الوطني، في ظل التحولات العالمية المتسارعة في أسواق الطاقة والمواد الأولية، ما يمنحه مكانة استراتيجية تؤهله ليكون قطبًا صناعيًا واعدًا على المدى المتوسط والبعيد. كما أن إطلاق مشروع السكة الحديدية المرتبط به لم يقتصر أثره على الجوانب اللوجستية فحسب، بل ساهم أيضًا في تحريك عجلة التنمية بالجنوب الغربي، وهو ما يعكس بداية ديناميكية اقتصادية جديدة في المنطقة.
وفي ظل سعي السلطات العمومية إلى تقليص الفجوة التنموية بين شمال البلاد وجنوبها، يبرز مشروع غار جبيلات كنموذج عملي لتجسيد هذا التوجه، من خلال استثمار الثروات الطبيعية وتثمينها بما يخدم التنمية المتوازنة ويعزز العدالة المجالية.
وفي هذا الاطار، يقول الخبير الاقتصادي “عمراني سفيان”، حسب تصريحاته أنه في عمق الصحراء الجزائرية وبالضبط في منطقة غار جبيلات تختبئ ثروة منجمية قادرة على تغيير هيكلية الاقتصاد الوطني، هذا المشروع بدأ كفكرة مؤجلة أيام الراحل “هواري بومدين”، ليتحقق هذا الحلم فعليا في فترة الرئيس “عبد المجيد تبون”، وتتحول تلك الفكرة إلى مشروع دولة بكل معنى الكلمة، ولم يعد الحديث اليوم عن منجم للحديد فقط، بل عن رهان استراتيجي يغير ملامح الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد متعدد الأقطاب .
غار جبيلات عملاق نائم
منجم غار جبيلات يعد من أكبر مناجم الحديد غير المستغلة في العالم، حيث يبلغ الاحتياطي الكلي 3,5 مليار طن من خام الحديد بنسبة تركيز أكثر من 52 بالمائة حديد، ما يعني 1,7 مليار طن قابلة للاستخراج والاستغلال، كما يتوقع على المدى القصير إنتاج حوالي 2 مليون طن سنويا ليرتفع الإنتاج إلى 12 مليون طن سنويا من خام الحديد مع حلول سنة 2030.
أما على المدى الطويل، ومع استقطاب استثمارات كبرى وطنية وأجنبية، فيتوقع بلوغ 40 إلى 50 مليون طن سنويا، ما يعادل 5 إلى 6 مليار دولار كصادرات الحديد، كل هذا يؤكد استيقاظ العملاق النائم غار جبيلات ودخوله مرحلة الاستغلال.
الخروج من التبعية لقطاع المحروقات
بلغ الناتج المحلي الإجمالي للجزائر سنة 2025 ما قدره 280 مليار دولار، وسجل القطاع الصناعي ما يقارب 6 بالمائة من تكوين الناتج المحلي فقط. وتسعى السلطات العمومية إلى رفع هذه النسبة لتصل 10 بالمائة، وكما نعلم أن الاقتصاد الجزائري يعاني من لعنة المحروقات التي تمثل 90 بالمائة من الصادرات والسوق العالمية للنفط والغاز. تتميز بعدم الاستقرار في الأسعار لأسباب متعددة لا يمكننا التأثير فيها، وبالتالي فإن مشروع غار جبيلات سيقلص من سيطرة قطاع النفط والغاز لصالح القطاع الصناعي، الذي يعتبر أكثر القطاعات قدرة على خلق القيمة المضافة.
حيث يحول المواد الخام إلى منتجات أعلى قيمة، وبالتالي يتحسن النمو الاقتصادي وتنخفض معدلات البطالة وتتقلص التبعية للخارج في مجال الحديد والصلب، وترتفع الصادرات خارج قطاع المحروقات، ما يعني اقتصاد متنوع بعيد عن تغول قطاع معين على باقي القطاعات .
الوظائف والتنمية المحلية
لا شك أن انطلاق مشروع السكة الحديدية، حرك الرأسمال البشري بمنطقة الجنوب الغربي للوطن، حيث خلق العديد من مناصب الشغل تجاوزت 11 ألف منصب من خبراء ومهندسون وتقنيون وعمال في شتى المجالات وفي مختلف مراحل الانجاز.
كما أن الانطلاق في مركب بشار لإنتاج مركزات وكريات الحديد سيساهم في استحداث 5000 منصب عمل مباشر. بالإضافة إلى ولاية النعامة والتي تقع على نفس مسار السكة الحديدية غار جيلات ـ وهران سيتم إنشاء وبشراكة صينية مصنع لعلاج وتحويل خام الحديد وسيخلق 5000 منصب عمل مباشر، إضافة إلى آلاف مناصب العمل غير مباشرة. وللعلم، ستكون شراكة جزائرية صينية ما يعني نقل التكنولوجيا.
كما أن مصنع “توسيالي” بوهران، أبرم اتفاقية تعاون مع الشركة الوطنية للأبحاث والاستغلال المنجمي “صوناريم” من أجل معالجة الحديد القادم من غار جيلات. وتجدر الاشارة، أن مصنع “توسيالي” يعتبر من أكبر المشاريع الصناعية في الجزائر، إذ يوظف ما يقارب 8000 عامل على مستوى وحدات الإنتاج الحالية، وبالطبع سيرتفع العدد مع دخول مشاريع التوسعة حيز التشغيل. وبالتالي، هذا المشروع سيقلص معدلات البطالة على المدى القصير والمتوسط وسيرفع من معدلات التنمية المحلية على طول مسار السكة الحديدية .
معضلة الميزان التجاري
إن مؤشر الميزان التجاري يحدد مدى نجاعة السياسة الاقتصادية المنتهجة، ويعرف على أنه الفرق بين الصادرات والواردات للدولة خلال فترة زمنية محددة، فإذا ارتفعت الصادرات عن الواردات يعتبر فائض في الميزان التجاري والعكس صحيح.
وكما هو معروف، أن الجزائر تعتمد على قطاع المحروقات الذي يشكل أكثر من 90 بالمائة من صادرات البلد. وحسب إحصائيات سنة 2025، تجاوزت الصادرات عتبة 40 مليار دولار منها فقط ما يقارب 5 مليار دولار خارج قطاع المحروقات، وبما أن 90 بالمائة من المحروقات فإنه فائض في الميزان يعتبر فائض هش، تتحكم فيه أسعار المحروقات التي تتأثر بالمستجدات السياسية والاقتصادية وحتى الصحية والبيئية. إذن مشروع غار جبيلات سيساهم في تقليص فاتورة استيراد الحديد التي بلغت سنة 2025 ما يقارب 1.5 مليار دولار والتوجه على المدى المتوسط إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذا المعدن الاستراتيجي والتوجه نحو التصدير، لتبلغ القيمة المتوقعة 2 مليار دولار آفاق 2028 ضاف إلى الصادرات خارج المحروقات.
التوازن التنموي وفك العزلة
من التحديات التي تعمل عليها السلطات العمومية، هو تقليص الفجوة التنموية بين الشمال والجنوب. وفي هذا السياق، يعمل هذا المشروع على خلق ديناميكية اقتصادية اجتماعية على مستوى الجنوب الغربي للجزائر، وما تلك المشاريع المستلمة من السكة الحديدية ومحطات نقل مسافرين عالية الجودة في إطار خطة مدروسة، تهدف إلى تحسين البنية التحتية وخدمات نقل الأشخاص وتوفير مناصب الشغل في هذه المناطق المعزولة. كما أن لهذا المشروع أثر نفسي على ساكنة هذه المناطق الصحراوية البعيدة، حيث أصبح التنقل أسهل بكثير من شمال البلاد إلى جنوبيها بالاستعمال أحدث القطارات .
السكة الحديدية من شروط الدول الناشئة
لاشك أن إنجاز مشروع السكة الحديدية على طول 940 كلم، منها 46 كلم جسور في فترة زمنية لا تتجاوز 20 شهرا يعتبر إنجاز أقل، نظيره على مستوى العالم، خاصة مع الطبيعة الصعبة بصحراء الجزائر الكبرى، ويتضمن هذا المشروع العملاق 1431 منشأة فنية منها 45 جسرا للسكة الحديدية و48 جسرا للطرقات، بالإضافة إلى 1338 منشأة مخصصة للري. كما أن هذا الخط يمكنه تشغيل 24 قطار خاص بالمواد المنجمية بسرعة 80 كلم/سا وقطارين لنقل المسافرين والبضائع بسرعة 160 كلم/سا .
ويقصد بالدول الناشئة هي تلك الدول التي تطور بنيتها التحتية ( طرق، مناطق صناعية والسكة الحديدية …). وتنوع اقتصادها بعيدا عن التبعية لقطاع الريع، وتشهد نموا اقتصاديا وتحولا صناعيا ملحوظا، وهذا ما تسعى اليه السلطات العمومية وذلك بتطوير الصناعات المحلية (الحديد الصلب والمنتجات النصف مصنعة المتعلقة بقطاع الحديد…)، كما أن تحسين وتنمية المناطق النائية يعتبر من أهم الشروط الواجب توفرها في الدول الناشئة.
سلاسل الإمداد في مشروع غار جبيلات
إن سلاسل الإمداد هي مجموعات من المراحل التي تمر بها السلعة لتصل إلى حالتها النهائية، وفي مشروع غار جبيلات انطلاقة السلسلة يكون من الاستخراج أي الحفر والتنقيب ثم المعالجة الأولية للحديد، لنصل إلى عملية النقل عبر السكة الحديدية من غار جبيلات إلى المصانع المحلية، المتواجدة على طول المسار تندوف، بشار، النعامة، وهران.
هذه الأخيرة، تعالج المادة الخام من الحديد وبالاستعمال التكنولوجيا تحولها إلى منتجات نصف مصنعة أو نهائية لتصل بعدها إلى الأسواق سواء المحلية، ما يعني الاكتفاء الذاتي أو التصدير نحو الخارج، ما يعني العملة الصعبة. وكل هذه المراحل، تعتمد على المشاريع للوجستيكية التي تم استلامها مؤخرا.
مشروع غار جبيلات بعيون أجنبية متخصصة
جاء في مجلة “وول ستريت الأمريكية” في 30 جانفي 2026 ، أن الجزائر من خلال هذا المشروع، تعيد تشكيل السوق العالمي للحديد مستفيدة من الاحتياطات الضخمة، إضافة إلى موقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية وانخفاض تكاليف الشحن .
وفي تقرير آخر نشرته وكالة الأنباء الأمريكية “بلومبيرغ نيوز” في 1 فيفري 2026 ، سلطت الضوء على مشروع غار جبيلات معتبرة أن هذا المشروع يعتبر تحولا استراتيجيا في مسار الاقتصاد الجزائري، حيث أشار أن الجزائر لم تعد مجرد “محطة وقود لأوروبا”، بل ستتحول إلى قوة تعدين ناشئة مع إمكانيات كبيرة لتصدير الفائض من الحديد والصلب وبالتالي إعادة التموقع في سلاسل التوريد العالمية .
وفي تقرير متخصص نشرته موقع “جي أم كا ” المتخصص في الحديد والصلب بتاريخ 2 فيفري 2026 ، تطرق إلى مشروع السكة الحديدية الذي بلغ طولها 950 كلم لنقل خام الحديد مؤكدا أن الجزائر في الطريق الصحيح من أجل تنويع الاقتصاد و التخلص من التبعية لقطاع المحروقات، وأشاد هذا التقرير بالشراكة الجزائرية الصينية ذات الخبرة العالية والتكنولوجيا في مجال التعدين .
كما جاء في تقرير نشره موقع “ميتال نيوز الصيني”، بتاريخ 6 فيفري 2026 والمتخصص في مجال الحديد والصلب أن الرئيس “عبد المجيد تبون” دشن خط السكة حديد بطول 950 كلم من أجل نقل الحديد من غار جبيلات وذلك بالشراكة مع مؤسسات صينية رائدة في المشاريع العملاقة في فترة زمنية تعتبر الأسرع في إفريقيا وأخرى ذات خبرة متجذرة في تقنيات صهر الحديد إزالة الشوائب والتعدين كما تطرق التقرير إلى الموقع الجغرافي للجزائر وسهولة الوصول إلى الأسواق المستهلكة للحديد .
في الأخير، يمكننا القول إن غار جبيلات هو العملاق الذي استيقظ ولا يمكنا اعتباره منجم للحديد فقط، بل هو رافعة إستراتيجية لتنويع الاقتصاد الوطني والمساهمة في رفع معدلات النمو الاقتصادي المستدام، مع تنويع مصادر الدخل من العملة الصعبة بعيدا عن قطاع المحروقات غير المستقر .
ابراهيم سلامي



