
شهد التصيد الإلكتروني تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد يعتمد على الرسائل التقليدية التي يسهل كشفها، بل صار اليوم يستند إلى قدرات متقدمة تولد محتوى مقنعاً يشبه الكتابة البشرية دون أخطاء لغوية تقريبا، وذلك وفق تقارير الوكالة الوطنية للأمن السيبراني في الولايات المتحدة التي حذرت من أن التقنيات الذكية، جعلت رسائل الاحتيال أكثر قدرة على تجاوز نظم الحماية.
وتشير هذه الجهات إلى أن التطور الحاصل في معالجة اللغة الطبيعية، سمح للمهاجمين بإنشاء رسائل دقيقة ومُفصلة تتناسب مع شخصية الضحية، مما يرفع احتمالات الوقوع في الفخ بشكل غير مسبوق. وقد رصد الاتحاد الدولي للاتصالات في تقاريره الأخيرة توسعاً كبيراً في الهجمات القائمة على جمع البيانات من الشبكات الاجتماعية لصياغة رسائل تبدو واقعية جداً، الأمر الذي يجعل التصيد اليوم أكثر تعقيداً من ذي قبل.
ذكاء يحاكي الإنسان وخطر يزداد عمقا
تعتمد الموجة الجديدة من التصيد الإلكتروني على قدرة النماذج الذكية على تحليل معلومات المستخدمين، ثم توليد رسائل تستهدف سلوكهم بدقة، حيث أصبحت الهجمات تستغل الصور المنشورة في الحسابات الرقمية والمعلومات المهنية والعلاقات الاجتماعية لصياغة رسائل موجهة تحمل أسماء أشخاص مقربين أو جهات عمل محتملة، مما يكسر الحواجز النفسية لدى الضحية ويجعل الاحتيال أكثر سلاسة.
وتشير مراكز الأبحاث الأوروبية للأمن الرقمي إلى أن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، باتت تستخدم صوتاً مُولدًا يحاكي أصوات البشر، بحيث يتلقى المستخدم مكالمة تبدو صادرة من مسؤول في مؤسسة أو من قريب، وهو ما يُصعّب على الجمهور تمييز الحقيقة من الخداع. وتوضح الدراسات أن هذه القدرة على التقليد الصوتي تشكل تحدياً كبيراً، لأن الخطر لا يعود مقتصراً على البريد الإلكتروني فحسب، بل يمتد إلى المكالمات الهاتفية والرسائل الصوتية الفورية، مما يوسع نطاق التصيد بشكل غير مسبوق.
سباق بين الحماية والخداع
في الوقت الذي تتطور فيه تقنيات الاحتيال، تسعى مؤسسات الأمن الرقمي إلى تطوير أدوات دفاعية تعتمد أيضا على الذكاء الاصطناعي، إذ تشير تقارير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى استخدام نماذج تحليلية قادرة على التعرف على الأساليب اللغوية الخبيثة التي تنتجها الأنظمة الاحتيالية، كما تعمل هذه النماذج على مراقبة سلوك الرسائل بدلاً من الاكتفاء بمحتواها، حيث تتبع سرعة الإرسال وأنماط العناوين الخلفية ومؤشرات أخرى يصعب على المهاجمين إخفاؤها.
ومع ذلك تحذر الوكالات المختصة، من أن سباق التطور بين المهاجمين وأنظمة الحماية سيظل مستمرا، لأن أدوات الاحتيال تصبح أكثر قدرة على تجاوز الفلاتر كلما تم تدريبها على مجموعات بيانات أكبر، فيما يؤكد الخبراء أن الحل لا يكمن في التكنولوجيا وحدها بل في وعي المستخدمين وتدريبهم على التحقق من مصادر الرسائل وعدم الانسياق وراء الروابط والطلبات المفاجئة، حتى لو بدت في ظاهرها واقعية، إذ إن التصيد الإلكتروني في زمن الذكاء الاصطناعي يعتمد أولاً على ضعف ثقة المستخدم بذاته وقدرته على التمييز، بينما تبقى أفضل وسيلة دفاع هي الجمع بين التقنيات المتقدمة واليقظة الشخصية.
بن عبد الله ياقوت زهرة القدس



