
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم العالي عالميًا، نحو نماذج أكثر ارتباطا بالابتكار والاقتصاد الرقمي، يبرز مشروع “TAHWISA”، كإحدى المبادرات الجامعية الجزائرية التي تعكس هذا التوجه، من خلال توظيف الإعلام الرقمي في خدمة التراث الثقافي والسياحة المحلية.
المشروع، الذي تم تطويره داخل قسم علوم الإعلام والاتصال بكلية العلوم الاجتماعية، بجامعة عبد الحميد بن باديس بمستغانم، يقدّم نموذجًا متقدمًا لمخرجات التعليم الجامعي القائمة على الدمج بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي.
أنجز المشروع الطالب “مشاش محمد”، تخصص سمعي بصري، تحت إشراف الدكتورة “رقاد حليمة”، في إطار مقاربة بيداغوجية حديثة تقوم على تطوير المهارات التطبيقية وإنتاج محتوى رقمي يستجيب لمتطلبات البيئة الإعلامية المعاصرة. ويتمثل “TAHWISA” في منصة رقمية متكاملة، تجمع بين موقع إلكتروني وتطبيق ذكي، صُمّمت لتكون دليلاً سياحيًا تفاعليًا لولاية مستغانم. وتقدّم المنصة، تجربة استخدام قائمة على الوسائط المتعددة، تتيح للمستخدم استكشاف المعالم الثقافية والسياحية بأسلوب حديث يجمع بين السرد البصري وسهولة التفاعل.
رقمنة التراث: من العرض إلى التجربة
يتجاوز المشروع النمط التقليدي في تقديم المعلومة السياحية، حيث يعتمد على تحويل التراث المحلي إلى تجربة رقمية ديناميكية، من خلال اقتراح مسارات وأنشطة تعكس خصوصية المجتمع المحلي، بما يعزّز من جاذبية الوجهة السياحية ويمنحها حضورًا فاعلًا في الفضاء الرقمي. ويأتي هذا المشروع، ضمن سياق علمي وبيداغوجي نشط، يشهده قسم علوم الإعلام والاتصال، الذي يُعد من الأقسام الرائدة على المستويين الوطني والعربي، بفضل احتضانه لعدد معتبر من المشاريع العلمية والتطبيقية. كما يستند إلى مخبر بحثي متخصص يُصنّف ضمن أبرز المخابر في مجاله، يديرها الاستاذ “العربي بوعمامة” من حيث دعمه للبحث العلمي ومرافقته للطلبة في تطوير مشاريع مبتكرة.
يندرج “TAHWISA”، ضمن التوجهات الاستراتيجية لقطاع التعليم العالي في الجزائر، التي تسعى إلى تكريس نموذج “الجامعة المنتجة” وتعزيز ثقافة المقاولاتية لدى الطلبة.
ويهدف هذا التوجه، إلى تحويل المشاريع الجامعية إلى مؤسسات ناشئة قادرة على خلق قيمة اقتصادية، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية. وفي هذا الإطار، تعمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على مرافقة الطلبة حاملي المشاريع، عبر آليات دعم وتأطير، بما يتيح لهم الانتقال من الفكرة إلى التجسيد، ومن المشروع الأكاديمي إلى المبادرة الاقتصادية.
نحو تكوين متخصص في الاتصال السياحي
وفي امتداد لهذه الديناميكية، تم إيداع مشروع ماستر مهني جديد في “الاتصال السياحي” كعرض تكويني على مستوى القسم، وهو حاليًا قيد الدراسة لدى الجهات الوصية، في أفق اعتماده، بما يعكس سعي الجامعة إلى مواكبة التحولات في سوق العمل وتطوير تخصصات دقيقة تستجيب لاحتياجاته.
ويبرز المشروع أهمية التأطير الأكاديمي في توجيه الابتكار الطلابي، حيث أسهم إشراف الدكتورة “رقاد حليمة” في بلورة الفكرة وتحويلها إلى منتج رقمي متكامل يجمع بين البعد العلمي والتطبيقي. ويمثل “TAHWISA”، نموذجًا واعدًا لمخرجات جامعية قادرة على التفاعل مع محيطها المحلي، والانفتاح على الفضاء الدولي، من خلال توظيف الإعلام الرقمي في تثمين التراث الثقافي، بما يعزّز حضور مستغانم كوجهة سياحية. ويؤكد في الوقت ذاته، قدرة الجامعة الجزائرية على إنتاج مشاريع مبتكرة ذات أبعاد تنموية واقتصادية.
ميمي قلان



