الــجــامــعــة

الدكتور “عمر اوسامة ” من جامعة سيدي بلعباس لـ “البديل”:

"الاتصال وإدارة الجودة، استجابة أكاديمية لتحولات الإعلام في العصر الرقمي"

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الثورة الرقمية، لم تعد الجامعة مجرد فضاء لتلقين المعارف التقليدية، بل أصبحت ركيزة أساسية لإعداد كفاءات قادرة على مواكبة متطلبات سوق العمل الحديثة، وقيادة التحولات داخل المؤسسات.

ومن هذا المنطلق، جاءت عروض التكوين الجديدة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتجسد هذا التوجه، من خلال استحداث مقاييس نوعية تواكب الواقع المهني، من أبرزها مقياس “الاتصال وإدارة الجودة”، الذي يمثل جسرا علميا ومهنيا بين علوم الإعلام والإدارة الحديثة.

في هذا الحوار العلمي، يفتح الأستاذ الدكتور “عمر أوسامة”، أستاذ علوم الإعلام والاتصال بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة “جيلالي ليابس” بسيدي بلعباس، نافذة معرفية حول فلسفة هذا المقياس، وأبعاده الفكرية والتطبيقية، ودوره في تكوين إعلامي جديد قادر على صناعة القيمة داخل المؤسسات.

 

بداية، لماذا استحدثت وزارة التعليم العالي مقياس “الاتصال وإدارة الجودة” ضمن عروض التكوين الجديدة؟

هذا الاستحداث لا يمكن اعتباره قرارا بيداغوجيا معزولا، بل هو انعكاس لتحول عميق في فلسفة التكوين الجامعي. فالجامعة اليوم، مطالبة بإعداد خريجين يمتلكون القدرة على الاندماج في بيئات عمل، تعتمد الجودة والحوكمة والتحسين المستمر كأسس للإدارة الحديثة. ومن هنا، جاء إدراج هذا المقياس في إطار مواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها المؤسسات، وتحديث البرامج التعليمية بما يتماشى مع المتطلبات المهنية الجديدة. فالاتصال، لم يعد مجرد أداة لنقل المعلومات، بل أصبح ركيزة استراتيجية لإدارة الأداء وبناء الثقة وتحقيق الجودة. إذ إن الجودة في جوهرها، تبدأ من طريقة تفكير المؤسسة وثقافة التواصل السائدة داخلها، قبل أن تظهر في الوثائق والإجراءات.

 

 قد يبدو للبعض أن الجودة تنتمي إلى علوم الإدارة أكثر من علوم الاتصال، فما طبيعة العلاقة بينهما؟

في الحقيقة، لا يمكن الحديث عن جودة حقيقية دون اتصال فعال. فجميع أنظمة الجودة تقوم على التواصل المستمر بين مختلف الفاعلين داخل المؤسسة وخارجها. الاتصال هو الذي ينقل الرؤية، يشرح السياسات، يقنع العاملين بضرورة التغيير ويخلق الانخراط الجماعي في مشاريع التطوير. وعندما يغيب الاتصال، تتحول الجودة إلى مجرد إجراءات شكلية لا تنعكس على الأداء الحقيقي. ولهذا، أؤكد دائما أن الاتصال هو الجهاز العصبي للجودة، بينما تمثل الجودة النتيجة الطبيعية لاتصال مؤسسي ناجح.

 

كيف تحولت الجودة من إجراءات إدارية إلى فلسفة متكاملة لإدارة المؤسسات؟

في السابق، كانت الجودة ترتبط أساسا بمراقبة المنتج النهائي، أما اليوم فقد أصبحت فلسفة شاملة تمس جميع جوانب المؤسسة، من القيادة إلى الثقافة التنظيمية، مرورا بالابتكار والتعلم المستمر وإدارة المعرفة والاتصال. فالمؤسسة الحديثة لم تعد تكتفي بالسؤال: هل أنجزنا العمل؟ بل أصبحت تسأل: هل أنجزناه بأفضل طريقة؟ وهل حققنا رضا المستفيد؟ وهل يمكن تحسينه باستمرار؟.. ومن هنا، تحولت الجودة إلى مشروع ثقافي قبل أن تكون مجرد آلية إدارية.

 

ما دور الاتصال الداخلي والخارجي في بناء ثقافة الجودة داخل المؤسسات؟

يلعب الاتصال الداخلي دورا محوريا في تعزيز الانتماء، وتحفيز العاملين على المشاركة في تحقيق أهداف المؤسسة، بينما يسهم الاتصال الخارجي في بناء الثقة مع الجمهور والشركاء وأصحاب المصلحة. ومن المهم، التأكيد على أن ثقافة الجودة لا تُفرض بالقرارات، بل تُبنى عبر الحوار والشفافية وتبادل المعلومات والاستماع إلى التغذية الراجعة. فالمؤسسة التي تمتلك نظام اتصال فعال، تكون أكثر قدرة على إدارة التغيير، ومواجهة الأزمات وتحقيق التميز.

 

لماذا أصبح من الضروري لطالب الإعلام اليوم فهم مفاهيم الجودة؟

إن سوق العمل شهد تحولا جذريا، فلم يعد الإعلامي مطالبا فقط بإنتاج المحتوى، بل أصبح مطالبا بفهم الإدارة والحوكمة، تحليل الأداء، إدارة السمعة وقياس رضا الجمهور. المؤسسات اليوم تبحث عن كفاءات متعددة المهارات، تجمع بين التفكير الاتصالي والرؤية الإدارية، وهو ما يجعل إعلامي المستقبل فاعلا استراتيجيا داخل المؤسسة، لا مجرد ناقل للخبر، بل صانع للقيمة.

 

كيف يؤهل هذا المقياس طالب العمل في مختلف القطاعات؟

يوفر هذا المقياس للطالب أدوات عملية، لفهم أنظمة إدارة الجودة وفق المعايير الدولية، ويكسبه مهارات إعداد خطط الاتصال، تصميم الاستراتيجيات الاتصالية، تقييم الأداء، تحليل رضا الجمهور، إدارة الأزمات والمساهمة في مشاريع التميز المؤسسي. وهي مهارات مطلوبة اليوم في المؤسسات الإعلامية والاقتصادية والإدارية على حد سواء.

 

ما أبرز المهارات التي يكتسبها الطالب من خلال دراسة هذا المقياس؟

يكتسب الطالب منظومة متكاملة من المهارات التي تتجاوز الإطار النظري، إلى بناء كفاءات مهنية حقيقية، من بينها التفكير التحليلي لفهم طبيعة المؤسسات وتشخيص نقاط القوة والضعف، إضافة إلى تطوير مهارات الاتصال الاستراتيجي وإدارة العلاقات، بما يعزز القدرة على بناء الثقة وتحقيق الأهداف المشتركة. كما يتعلم مهارات التقييم والتحسين المستمر، والتعامل مع المؤشرات والبيانات، وهي عناصر أساسية في بيئات العمل الحديثة.

 

كلمة تختم بها هذا الحوار ؟

 

في خضم التحولات الرقمية المتسارعة، يبرز مقياس “الاتصال وإدارة الجودة”، كأحد أهم الرهانات الأكاديمية التي تعكس وعي الجامعة بدورها في صناعة المستقبل. فهو لا يكتفي بتأهيل طلبة قادرين على التواصل، بل يصنع كفاءات قادرة على قيادة التغيير، وترسيخ ثقافة الجودة، وتحقيق التميز داخل المؤسسات. وبين الاتصال كقوة ناعمة والجودة كهدف استراتيجي، تتشكل ملامح جيل جديد من الإعلاميين القادرين على صنع الفارق في عالم لا يعترف إلا بالكفاءة والابتكار.

 

فتحي مبسوط 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى