الحدث

حول زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، محند عزوق، يؤكد:

محطة فارقة في ملتقى السياسة والتاريخ والحضارة

أكد رئيس ديوان وزير الشؤون الدينية والأوقاف، السيد “محند عزوق”، أن زيارة بابا الفاتيكان “ليون الرابع عشر” إلى الجزائر تأتي ضمن جولة تشمل دولًا من إفريقيا وأوروبا، وقد تمت بدعوة رسمية من رئيس الجمهورية، السيد “عبد المجيد تبون”، مُشيرا في ذات الصدد، إلى أن هذه الزيارة ستستمر أكثر من يوم وتحمل دلالات كبيرة وطابع “زيارة دولة”، وهذا ما يمنحها مكانة دبلوماسية رفيعة.

وأكد السيد “محند عزوق”، أن هذه الزيارة تمثل فرصة لعرض العلاقات الثنائية بين الجزائر والفاتيكان، خاصة وأنها تترجم رغبة مشتركة في تعزيز التعاون والحوار، وأنّ ترقيتها بروتوكوليًا سيجعلها في سياق سياسي وتاريخي وحضاري رسمي أكثر من ذي قبل.

ولدى تطرقه إلى البعد التاريخي المرتبط بشخصية القديس أوغسطين الذي يمثل جسرا حضاريا بين الفكر الإسلامي والغربي، إلى جانب الأمير عبد القادر كرمز للتسامح الديني، لاسيما مواقفه الإنسانية في حماية المسيحيين بسوريا، أكد السيد “محند عزوق”، إلى أن الزيارة تترجم فعليا مكانة الجزائر الجيو- استراتيجية، وبشكل خاص دورها الإقليمي والدولي المتنامي، فضلا عن استقرارها ومسارها نحو النمو الاقتصادي. لأنّ الجزائر صمن هذا السياق، أصبحت تُصنف ضمن أبرز اقتصادات المنطقة، ناهيك عن دورها الكبير في الدفاع عن القضايا العادلة بمجلس الأمن، وبالتالي فإنّ مبادرة العيش في سلام التي تبنتها الأمم المتحدة كصورة عن قيم التعايش في المجتمع الجزائري، حقيقة لا مراء فيها، بحيث أنّ الجزائر تعتمد مرجعية دينية قائمة على الاعتدال والوسطية، فضلا عن تجربتها الرائدة في مكافحة التطرف بفضل ميثاق السلم والمصالحة الوطنية.

وفي سياق متصل، استطرد السيد “محند عزوق”، قائلا، بأّنّ الجزائر تساهم في نشر الاعتدال عبر إرسال الأئمة للخارج، لا سيما خلال شهر رمضان  لتأطير الجاليات المسلمة، مُشيرا أيضا إلى أن الدستور يضمن حرية العبادة لجميع المواطنين مع وجود إطار قانوني ينظم الشعائر الدينية لغير المسلمين. حيث كشف بالمناسبة، عن دعم الدولة للكنائس وترميمها وتسهيل دخول الكتب الدينية واستقبال رجال الدين. وبالتالي فإنّ هذه الزيارة ستعزز الحوار بين الأديان والحضارات وكذلك ستبرز تجربة الجزائر في التسامح والتعايش السلمي لأنها أرض السلام.

 

مبروك زيد الخير، يؤكد:” البابا ليون الرابع عشر يبعث برسالة سلام وتعايش إنساني”

اعتبر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، السيد “مبروك زيد الخير”، أن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر تمثل محطة استثنائية، حيث تعكس الإرادة المشتركة لترسيخ قيم السلم والتعايش بين الشعوب، مُشيرا في ذات السياق، أنّ استضافة الجزائر للحبر الأعظم، تستحضر من خلالها، تاريخها الحضاري المتنوع وإرثها الإنساني القائم على التسامح والدفاع عن قيم السلام، وهذا ما يجعلها جسرا للتواصل بين الحضارات عبر التاريخ

وأبرز في ذات السياق، إلى أن شعار “السلام عليكم”، في حقيقة الأمر، يعبر عن فلسفة عميقة للسلم لها دلالات ترمز إلى ضرورة حضارية لحماية الأمم وتعزيز التعاون، لأنّ الزيارة في حدّ ذاتها تحمل بعدًا دبلوماسيًا وقائم على القيم الإنسانية المشتركة، بل وتعدُّ هذه الشراكة نموذجا للعلاقات الدولية المبنية على الحكمة، بل واكثر من ذلك، تحملُ بعدًا إنسانيًا يعزز نصرة المظلومين وعليه، فإنّ هذه الزيارة أيضا، تجعل من الجزائر منصة للحوار والتفاهم بين الثقافات من أجل تكريس قيم الكرامة الإنسانية والتعايش السلمي

واستطرد السيد “مبروك زيد الخير” قائلا، أنّ هذه الزيارة لها بعدا تاريخيا وروحيا من خلال القديس “أوغستين” الذي يعد رمزا للفكر الإنساني المتجذر في أرض الجزائر، كما انها تمح للجزائر كذلك زخما خاصا باعتبارها رمزا للسلام والتسامح، لنّ الجزائر كانت وستظل ملتزمة بالحوار بين الأديان والثقافات في نطاق ثوابتها الدينية وهويتها الوطنية، وبشكل خاص تقديم الإسلام كرسالة عالمية للعدل والتعاون والسلام بين الشعوب.

 

إرث القديس أوغستين يطرق أبواب اليونسكو

 وفي سياق متصل، أشرفت وزيرة الثقافة والفنون، السيدة “مليكة بن دودة” على تنصيب لجنة وطنية لمتابعة ملف مشروع المسارات الأغسطينية بالجزائر، والذي تمّ تقديمه في سياق قائمة التراث العالمي لليونسكو، بحيث تضم هذه المسارات عدة مواقع أثرية عبر شرق ووسط البلاد، من بينها “هيبون” بعنابة و”تاغاست” بسوق أهراس و”مادور بمداوروش وسيتيفيس” بسطيف. كما أنّ هذه المسارات، تشمل أيضا مواقع تاريخية أخرى تعكس تنوع الحضارات التي مرت بالجزائر

وحسب ما أفاد به نفس المصدر، فإنّ اللجنة تتكوّن من خبراء في علم الآثار والتاريخ والأنثروبولوجيا، وبالتالي تشتغل التنسيق مع الهيئات الوطنية ومنظمة اليونسكو، كما تسعى لوضع استراتيجيات لتثمين هذه المسارات والترويج لها عالميًا، ناهيك عن كونها تُشرف على برامج حماية وصون المواقع الأثرية وتشجع البحث العلمي والدراسات الأكاديمية حول هذا التراث

وفي ذات السياق، فإنّ هذا المشروع على مسافة تقارب 1500 كيلومتر عبر عدة مدن تاريخية، بحيث يركّز بالأساس على العمق الحضاري والثقافي للجزائر عبر العصور، غلى جانب أنه المسار نفسه، يرتبط بشخصية القديس “أوغستين” وما مدى تأثيره الفكري العالمي، لكونه أيضا يُمثل جسرا بين الثقافات والأديان والقارات، ويُترجم التفاعل بين الفكر الديني والعقلي في بيئة متعددة، فضلا عن كونه يُساهم بشكل كبير في حماية النسيج العمراني للمواقع القديمة، وبالتالي في تحويلها إلى فضاءات ثقافية حية.

 

هيبون وكنيسة القديس أوغستين في عنابة على موعد مع التاريخ

تحسبا للزيارة التاريخية للبابا “ليون الرابع عشر” إلى الجزائر، تعرف مدينة عنابة تحضيرات مكثفة وجهود حثيثة، خاصة على مستوى موقع (هيبون) الأثري وكنيسة القديس “أوغستين”، حيث تعمل الجهات المعنية جاهدة من أجل تهيئة هذه الفضاءات الدينية والتاريخية.

وفي ذات الصدد، أكدت مديرة الثقافة والفنون لولاية عنابة، السيدة “صليحة برقوق”، أن هذه التحضيرات تتم بالتنسيق بين مختلف المصالح، بحيث تمّ وضع لوحات تعريفية عبر مختلف أجزاء موقع (هيبون) بهدف إبراز قيمته التاريخية والأثرية بشكل خاص، إلى جانب اتخاذ كافة الترتيبات لاستقبال الوفود والزوار القادمين من الخارج خاصة من الدول الأوروبية

أما فيما يتعلق بالكنيسة، فقد أكدت بأنّ عمليات تنظيف وصيانة المقتنيات الفنية تجري على قدم وساق، وذلك تحت إشراف مختصين في ترميم التحف، إلى جانب مُساهمة فرق الصيانة قصد تهيئة المكان

وفي سياق متصل، إنّ هذه التحضيراتـ تتضمن أيضا أعمالا فنية وكتابات تعريفية بالقديس “أوغستين”، حيث تم بالمناسبة اقتراح مشروع إنشاء مركز للدراسات الأوغستينية والذي تم عرضه فعليا على وزيرة الثقافة السيدة “مليكة بن دودة”، خلال زيارتها الأسبوع الماضي لولاية عنابة، وبالتالي فإنّ مسألة إدراج هذه المعالم ضمن مسار ثقافي مستقبلي سيكون له أثرا إيجابيا ودافعا ثقافيا وحضاريا وتاريخيا على حد سواء، ليس فقط بل يسعى للتصنيف ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويندرج ذلك في سياق تثمين موقع هيبون الأثري من أجل تعزيز السياحة الثقافية في المنطقة، ناهيك عن استقطاب الزوار والباحثين المهتمين بتاريخ القديس أوغستين.

 

كنيسة القديس أوغستين

تعتبر كنيسة القديس “أوغستين” بولاية عنابة، من أبرز المعالم التاريخية والدينية في الجزائر، خيث تمّ تشييدها على تلة “هيبون”،بحيث تشمل على عدة مرافق مثل الدير ودار للمسنين ومكتبة. وحسب المصادر التاريخية، فقد تم بناء هذه الكنيسة بمبادرة الأسقف “دوبوش” لإحياء الإشعاع الديني للمنطقة، وهو رجل دين مسيحي فرنسي لعب دورًا مهمًا في تاريخ الكنيسة بالجزائرـ ويُعرف أيضا  باسم “أنطوان أدولف دوبوش”، حيث كان أسقفًا على الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وسعى بشكل خاص إلى إعادة إبراز التراث المرتبط بالقديس أوغستين، وكان في الأصل صاحب هذه الفكرة. وقد أختار اختار موقع تلة ه”يبون” لرمزيته التاريخية والدينية، حيث عمل على جعل المكان مركزًا روحيًا وثقافيًا، وبالتالي فإن بناء هذه الكنيسة، يُعتبر في حد ذاته تكريمًا لذكرى “أوغستين” الذي كان أسقف “هيبون” في السابق حيث شغل هذا المنصب من سنة 395 إلى غاية وفاته عام 430 ميلادية

وعليه فقد تم تشييد هذا الصرح الديني بين عامي 1881 و1900، حيث يتميز يهندسته المعمارية بمزيج فريد يجمع بين الطابع العربي الإسلامي والروماني البيزنطي. كما أنه بين 2010 و2013 خضع لعملية ترميم حديثة، وذلك بعد إدراجها ضمن قائمة الجرد الإضافي للولاية سنة 2010.

رامي الحاج

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى