صيفيات

 رحلة إلى المتحف البحري الوطني

تراثٌ عائمٌ وذاكرةٌ تحت الماء

بين هيبة أسوار القصبة العتيقة وزرقة المتوسط، يقف “المتحف العمومي الوطني البحري” بالجزائر العاصمة كشاهدٍ حيّ على أمجاد بحرية صاغت تاريخ حوض المتوسط لقرون. لا يمثل هذا الصرح الثقافي مجرد خزينة لقطع أثرية صامتة، بل هو مركز سيادي لحفظ الذاكرة البحرية الوطنية، وبوابة استكشافية تُعيد إحياء العصر الذهبي للأسطول الجزائري، وتسلط الضوء على الكنوز الغارقة التي لا تزال ترقد في أعماق السواحل الممتدة على طول 1200 كيلومتر.

تأسس المتحف بموجب مرسوم تنفيذي ليكون منارة علمية وثقافية تُعنى بحماية التراث الأثري المغمور بالمياه وتثمين الإرث البحري. وفي حين يتخذ المتحف حالياً من “حصن 23” العريق (قصر الرياس) مركزاً مؤقتاً لإدارة نشاطاته ومعارضه بفضل رمزيته التاريخية، فإن الأعين تتجه صوب مقره الدائم والأصيل؛ أقبية “خير الدين” المهيبة القابعة عند سفح القصبة بالرصيف القديم لميناء الجزائر.

 

من وصلة بربروس إلى أقبية علي باشا

 

يكتسي المقر الدائم للمتحف قيمة أثرية وتاريخية لا تقدر بثمن؛ فالأقبية والدهاليز الضخمة شيدها الداي “الحاج علي باشا” عام 1814، لتكون مخازن عسكرية محصنة للأسطول. ولم تكن هذه الهندسة لتتحقق لولا القواعد السيادية التي وضعها الأمير “خير الدين بربروس” في القرن السادس عشر (عام 1529 م)، عندما بنى “الوصلة البحرية” الشهيرة لربط الجزر الصغيرة بمدينة الجزائر، مؤسساً بذلك أول ميناء عسكري حقيقي للمدينة، وهو ذاته الفضاء الهندسي الذي يستعد اليوم ليتحول من مخزن للبارود والسفن إلى حصن للعلوم والتاريخ البحري.

وفي انتظار الاستقرار الكامل في هذا المعلم المفصلي، تُعرض المجموعات الأثرية والتاريخية النادرة لتأخذ الزائر في رحلة عبر الزمن؛ تبدأ من العصور القديمة (الفينيقية والرومانية) حيث كانت الموانئ الجزائرية مراكز تجارية نابضة، وصولاً إلى العهد الإسلامي، ثم العصر القرصاني المجيد في العهد العثماني، حين كانت الراية الجزائرية تفرض هيبتها على الملاحة الدولية.

ويضم الرصيد المتحفي كنزاً وثائقياً وأثرياً فريداً، من أبرزه:

بقايا الأساطيل الغارقة،الخرائط والمخطوطات النادرة،نماذج السفن وأدوات الملاحة

 

رهانات الرقمنة والإنعاش السياحي

 

وفي إطار مواكبة التحولات الرقمية وعصرنة المؤسسات الثقافية، انخرط المتحف في استراتيجية حديثة عبر تطوير منصات وجولات افتراضية، تتيح للجمهور والباحثين من داخل وخارج الوطن الاطلاع على المخزون الثقافي للمتحف وعمق أقبية خير الدين التاريخية.

كما يشكل المتحف اليوم ركيزة أساسية في السياحة الثقافية والعلمية، من خلال تنظيم ورشات بيداغوجية لفائدة المتمدرسين والشباب، تهدف إلى غرس ثقافة الحفاظ على البيئة البحرية وحماية الآثار، وتعريف الأجيال الصاعدة بمهن البحر وتاريخ الأجداد الذين روضوا الأمواج وصنعوا للجزائر هيبة تاريخية لا تمحيها السنين.

ج.ايمان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى