تكنولوجيا

ملامح ما كشفه المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في سوسة 2025

إفريقيا ترسم مستقبلها الرقمي

بينما تتنافس القوى الكبرى على تطوير أحدث النماذج الذكية، كانت إفريقيا تخطّ لنفسها مسارا مختلفا داخل مدينة سوسة التونسية التي احتضنت واحدا من أبرز الأحداث التقنية في تاريخ القارة، فقد انطلقت فعاليات المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في إفريقيا الذي يستمر 3 أيام كاملة، ويجمع الآلافمن الخبراء والمبتكرين وصناع القرار في حدث يهدف إلى وضع القارة على خريطة الذكاء الاصطناعي العالمي من زاوية، تعتمد على الحلول العملية والابتكار الموجّه لخدمة المجتمعات.

 

إفريقيا تدخل المرحلة الرقمية بثقة جديدة

جاء انعقاد المؤتمر في وقت يشهد فيه العالم سباقا محموما بين القوى الدولية على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة أكثر دقة وقدرة، ومع ذلك فقد اتجهت إفريقيا إلى مقاربة مغايرة لا تقوم على المنافسة التقنية وحدها، بل على التركيز في مجالات قادرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع، مثل الزراعة الذكية والصحة الرقمية والمدن المستدامة والخدمات المالية الحديثة، ويعكس هذا التوجه رغبة القارة في توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة لحل مشكلات متراكمة، يجد فيها الابتكار التقني بوابة للنهضة وليس مجرد مظاهرة عالمية.

وقد شهد المؤتمر حضورا واسعا تجاوز 6 آلاف مشارك، قدموا من دول عدة وحضره أكثر من 130 متحدثا، من خبراء دوليين إلى جانب 110 عارضين من كبريات الشركات، إضافة إلى أكثر من 200 شركة ناشئة تعمل على طرح حلول تكنولوجية مصممة لتناسب تحديات القارة وتعقيداتها، وهو ما جعل الحدث منصة تجمع بين الفكر العلمي والممارسة التطبيقية في مساحة واحدة.

وتأتي هذه النسخة من المؤتمر في فترة مفصلية يشهد فيها العالم تطورا متسارعا في قدرات الذكاء الاصطناعي، مع دخول قوى تقليدية مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي في منافسة تنظيمية وتقنية شديدة تسعى كل جهة من خلالها إلى تثبيت قواعد اللعبة الجديدة.وفي هذا المشهد العالمي المعقد، تمثل مبادرة إفريقيا محاولة جادة لإعادة توزيع أدوار المستقبل عبر خلق نموذج يضع احتياجات الشعوب في مقدمة المسار التكنولوجي.

 

منظومة تعاون دولي ورؤية لبناء قدرات محلية

نظم المؤتمرعدد من المؤسسات المحلية والدولية التي تسعى إلى دعم بيئة الابتكار في القارة وتسهيل التواصل بين المستثمرين والباحثين وصناع الحلول الذكية، وقد احتضنت مدينة الابتكار التونسية هذا الحدث بالشراكة مع مؤسسات تنظيمية مختلفة، وبمساندة جهات تنموية عالمية مثل الوكالات الدولية والبنوك التنموية والصناديق المحلية.

وخلال الافتتاح، أكد مدير الابتكار في مدينة سوسة أن الهدف الأساس من تنظيم المؤتمر هو بناء منظومة أفريقية قادرة على تطوير أدوات محلية تنافس عالميا، وأن تصبح القارة شريكة في صناعة المعرفة الرقمية لا مجرد مستهلك لها، ويأتي هذا التنسيق الدولي ليعزز المكانة الاستراتيجية للمؤتمر الذي استقطب شركات تقنية كبرى ترى في القارة فرصة لتجربة حلول جديدة قابلة للتطبيق في مناطق تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متشابكة.

وقد تضمن البرنامج 3 أيام من الجلسات المتخصصة التي شارك فيها عشرات الخبراء، الذين ناقشوا تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحة والزراعة والصناعة والخدمات المالية والتعليم والإدارة الرقمية، وشارك الزوار في 3 أجنحة رئيسة شملت جناح التكنولوجيا، الذي ضم أبرز الشركات العالمية ومقدمي الحلول المتقدمة وجناح الشركات الناشئة الذي عرض نماذج مبتكرة من مختلف دول إفريقيا وجناح الأعمال الذي وفر مساحة للتواصل المهني وتبادل الفرص والاستشارات.

كما خصص المؤتمر جلسات للتعارف المهني المباشر التي سمحت للشركات الأفريقية بالوصول إلى مستثمرين من خارج القارة، مما رفع فرص التوسع والنمو، إضافة إلى ورشات تدريب هدفت إلى إعداد جيل جديد من المهندسين والمتخصصين في علوم البيانات مع التركيز على الأدوات المفتوحة المصدر والحلول القابلة للتنفيذ في بيئات محدودة الموارد.

 

نماذج رائدة في الذكاء الاصطناعي الشامل تقود تحولا جديدا

برز في المؤتمر عدد من التجارب الإفريقية الملهمة، وفي مقدمتها مبادرة يقودها مختبر بحثي أسسته باحثة تونسية استطاعت خلال سنوات قليلة وضع بصمتها في مجال الذكاء الاصطناعي الشامل، الذي يسعى إلى تصميم أنظمة عادلة وشفافة ومفيدة لجميع الفئات، مهما اختلفت قدراتها أو خلفياتها، ويركز المختبر على ابتكار حلول يمكن تشغيلها في بيئات تعاني نقصا في الموارد دون الحاجة إلى بنى تحتية ضخمة أو بيانات مكلفة، مما يجعلها مناسبة للمدارس والمستشفيات والقرى والمراكز النائية.

وقد تحدثت الباحثة عن مسار تأسيس مختبرها الذي بدأ بفريق صغير وتحول إلى مؤسسة بحثية قادرة على الحصول على تمويل معتبر تجاوز نصف مليون يورو خلال 3 أعوام فقط، مع توسع نطاق أعماله وتضاعف إنتاجه العلمي خلال 8 أعوام، وأكدت أن نجاح التجربة يعود إلى المثابرة والشغف والقدرة على تحويل الموارد المحدودة إلى أدوات تعليمية وبحثية فاعلة.

وأشارت إلى أهمية التوجيه العلمي والشبكات البحثية التي ساعدتها على نقل خبراتها إلى الجيل الجديد من الباحثين، مؤكدة أن بناء قدرات الشباب يمثل حجر الأساس لأي مشروع يريد أن يستمر، وشددت على ضرورة نشر المعرفة عبر منصات تعليمية مفتوحة تتيح للطلاب والمهتمين الوصول إلى الدروس والمحتوى المتخصص دون قيود مالية أو جغرافية.

ومع تزايد التعاون الدولي، وتوسع حضور الشركات الناشئة وبروز مبادرات محلية، قادرة على تقديم حلول نوعية تبدو إفريقيا على أعتاب مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزء من مشروع تنموي شامل وليس مجرد تقنية عابرة، فالقارة تمتلك فرصة لإعادة صياغة مستقبلها الرقمي عبر بناء منظومة ابتكار تستجيب لاحتياجاتها وتفتح أمامها مجال المنافسة العالمية، ومع هذا الزخم تبدو السنوات المقبلة مرحلة مفصلية، قد تتحول فيها إفريقيا إلى مركز لتطوير حلول ذكية مستدامة تخدم الإنسان وتدعم الاقتصاد وتراعي الخصوصيات الاجتماعية.

ياقوت زهرة القدس بن عبد الله 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى