بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 68 لمعركة “جبل مناور”، كان لنا لقاء مع أستاذ التاريخ “إسماعيل عمر” بمعسكر، الذي يعتبر من أقدم الأساتذة ورئيس الجمعية الولائية “انسان تيغنيفين” وأجرينا معه هذا الحوار.

بداية، حدثنا عن موقع المعركة
معركة جبل المناور، تعتبر حلقة فاصلة في تاريخ الثورة الجزائرية، وبمقارنتها بمثيلاتها من المعارك الكبرى التي شهدتها ثورة أول نوفمبر، والتي برزت فيها براعة مجاهدي جيش التحرير الوطني في مجالي التكتيك والاستراتيجية الثوريين، فإن هذه المعركة لم تنل حقها من العناية والاهتمام اللازمين.
وتعد معركة “جبل مناور” بولاية معسكر، التي وقعت في 5 سبتمبر 1957، من أهم المعارك التي ميزت أحداث ثورة التحرير المجيدة بالمنطقة، بالنظر للخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش الاستعماري الفرنسي. وجرت أحداث المعركة، في منطقة جبل المناور الذي يعلو عن سطح البحر بـ 697 م، ويعتبر الفاصل الطبيعي بين المنطقتين 4و6 من الولاية الخامسة التاريخية، توجد بها مسجد تحت أرض، الذي كان في الأصل مغارة وبقمته مقبرة قديمة للمسلمين بقرية سيدي عبد القادر بن يسعد لجبل المناور، الذي شهد معركة من معارك الثورة التحريرية الكبرى، وهي معركة جبل المناور الشهيرة في الناحية الأولى للمنطقة السادسة للولاية الخامسة الشهيرة يوم 5 سبتمبر1957 ، إذ تمر الذكرى الـ 66 لاندلاعها بقيادة الشهيد “سي رضوان”، الذي شارك في معارك الهند الصينية وفر من الجيش الفرنسي والتحق بالثورة.
وتعتبر سادس معركة على المستوى الوطني، من حيث الأهمية والخسائر الفادحة لقوات الاحتلال. واستعملت فيه فرنسا السلاح المحرم دوليا “النابالم”.
كيف وقعت المعركة، وما هي الأسباب؟
المعركة تذكر الخلف ببطولات وأمجاد السلف، وحصيلة ثقيلة من الخسائر في صفوف المستعمر. هذه الملحمة التاريخية شكلت منعطفا حاسما، زاد من شعلة العزيمة والنزعة التحررية اتقادا، وجاءت بعد سلسلة من المعارك الضارية بين جيش التحرير الوطني والقوات الاستعمارية المستبدة، التي حاولت كبح جماح الثورة بشتى السبل والوسائل الحربية، دون أن تكلل محاولاتها بنتائج، تحفظ على الأقل ماء الوجه السبب المباشر للمعركة.
وذلك، عاد إلى وشاية من أحد الأشخاص القاطنين بالناحية، حيث كان المجاهدون قد غنموا في الكمين الذي نصبته كتيبة القائد “شقال النعيمي”، “سي رضوان” ضد وحدة من قوات الاستعمار بعين فارس، مدفعا رشاشا من نوع ” 30 أمريكان” لكنه معطوب، ثم انسحبوا إلى دوار “أولاد علي” التابع لدائرة تيغنيف، فبعث به “سي محمود” مع أحد المدنيين إلى هذا الشخص لإصلاحه، فاستغل الفرصة وأبلغ القوات الاستعمارية الفرنسية، انتقاما لأبيه الذي اعدمته الثورة فيما سبق، بمكان تواجد المجاهدين.
حيث جمع المستعمر قواته، واستدعى وحدات مقاتلة من كل جهات غرب البلاد لمحاصرة منطقة حبوشة، التابعة لبلدية مناور حاليا. حينها حاول جيش المستعمر الفرنسي رد الاعتبار لنفسه بعد 3 معارك شهدتها المنطقة خلال شهر أوت من نفس السنة، وجهز لعملية تمشيط بالقرب من جبل المناور.
وتعرضت قوات كتيبتي جيش التحرير الوطني بالمنطقة، اللتان كانتا بقيادة المجاهدين (سي محمد وسي رضوان) خلال عملية التمشيط، للحصار من قبل جيش الاحتلال، حيث لم يكن هناك أمام هاذين القائدين رفقة كتيبتيهما سوى خيار واحد هو الوصول إلى جبل المناور والتمركز فيه.
وأسندت مهمة قيادة الكتيبتين معا إلى المجاهد “سي رضوان”، الذي يعد قائد الكتيبة الثالثة في المنطقة السادسة بالولاية الخامسة التاريخية الذي أصدر أوامره إلى المجاهدين للتوجه الى قمة جبل المناور للسيطرة على الموقف والتموقع، مما يمكّن من السيطرة على تحركات وحدات الجيش الاستعماري الفرنسي. واستطاعت الكتيبتان السيطرة على أرض المعركة، بالرغم من تدخل طيران الاحتلال الفرنسي، وكذا النيران الكثيفة للمدفعية الفرنسية، وفق ذات المصدر الذي أضاف أنه في حدود الساعة الواحدة زوالا من يوم الواحد سبتمبر 1957 ، أطلق المجاهد “سي رضوان” النار على طائرة عمودية فرنسية، ليتمكن من إسقاطها، مما أدى إلى هلاك جميع ركابها من بينهم ضابط برتبة عقيد لتنهار معنويات جيش الاحتلال وتسود الفوضى في صفوفه، حيث بدأوا في الانحسار والتراجع.
ونجحت الكتيبتان بالخروج من هذا الحصار، وحمل المجاهدون جرحاهم على أكتافهم وظهورهم، حيث كان من بينهم المجاهد البطل “سي رضوان”، الذي أصيب في هذه المعركة جراء قنابل “النابالم” المحظورة، التي استخدمها جيش الاحتلال الفرنسي لصد هجمات المجاهدين.
وتكبد الجيش الاستعماري الفرنسي خلال هذه المعركة خسائر كبيرة، تمثلت في هلاك 650 جنديا فرنسيا، وإصابة عدد معتبر من الجنود بجروح، فضلا على إسقاط 6 طائرات منها عمودية وقاذفة من نوع “بـ 50 ميستر” و”جاغوار” و”كشافة” إضافة إلى تضرر الكثير من الآليات
كم عدد المجاهدين الذين استشهدوا؟
خلال هذه المعركة، لم تنجُ إلا فصيلتين، كان من ضمنهم المجاهد المدعو “محمد الثنوي عبد الواحد سي علي”، حيث تمكنوا من الخروج من الحصار ونجوا، بينما جرح “سي رضوان”، وتم نقله فيما بعد إلى دوار أولاد بوعزة، أما البقية فقد استشهدوا تحت القصف استطاع المجاهدون القضاء على 650 عسكريا فرنسيا وإصابة عدد كبير منهم، إسقاط 6 طائرات وإعطاب 17 أخرى، بينما استشهد 69 مجاهدا و10 مدنيين جزائريين، وأصيب 23 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، ومن بينهم القائد “سي رضوان”، لينسحب بقية المجاهدين والجرحى نحو جبال تيميكسي بشرق ولاية معسكر، أين توفي المجاهد “سي رضوان”.



