
لم يعد رهان “أوبن إيه آي” على منصتها الشهيرة “شات جي بي تي”، محصوراً في إطار الإجابة عن التساؤلات أو صياغة النصوص الإبداعية؛ فمع تزايد استخدامات التقنية بشكل هائل في مجال الاستشارة النفسية بالأخص، قامت المنصة مع مطلع العام الجاري، بتطوير قدرات متقدمة للمساعدة النفسية عن طريق رصد مؤشرات الانتحار وإيذاء النفس، مع تفعيل خاصية الاستجابة للأزمات عبر التواصل المباشر، مع جهات اتصال موثوقة من عائلة المستخدم أو محيطه في الحالات الطارئة.
تؤكد الشركة، أن هذا النظام الجديد صُمم ليكون طبقة دعم إضافية، تساند خطوط المساعدة التقليدية، ولا يُطرح كبديل عن الأطباء أو المختصين النفسيين، بل كأداة لربط المستخدم بدائرته الاجتماعية في لحظات الهشاشة القصوى. ووفقاً لموقع “ذا فيرج”، فإن هذه الميزة لا تعمل بشكل آلي كلياً؛ بل تخضع المراسلات التي يشتبه النظام في خطورتها لمراجعة بشرية سريعة داخل “أوبن إيه آي” قبل إرسال أي إشعار، وذلك لتقليل الأخطاء أو التنبيهات الكاذبة.
يأتي هذا التوجه، استجابة لواقع رقمي جديد؛ حيث يلجأ ملايين المستخدمين لروبوتات المحادثة طلباً للدعم العاطفي، خاصة في ساعات الليل المتأخرة أو فترات العزلة الاجتماعية. وتكشف أبحاث منشورة عبر منصة “أركايف، ” أن المستخدمين يجدون في الذكاء الاصطناعي “مساحة آمنة” للتحدث، دون خوف من الأحكام المسبقة، مما جعل منصات مثل “شات جي بي تي” و”ويسا”، وسيلة لسد فجوة النقص العالمي في خدمات الصحة النفسية وتكلفة العلاج الباهظة.
وكشفت دراسة لبرنامج “Sentio”للعلاج الزوجي والعائلي بكاليفورنيا، أن الذكاء الاصطناعي تصدّر مشهد الرعاية النفسية في أمريكا عام 2025، متفوقاً على المستشفيات والبرامج الحكومية. وأكدت النتائج أن 48.7 بالمائة من المستخدمين الذين يعانون من اضطرابات نفسية، يعتمدون حالياً على نماذج مثل “ChatGPT” و”Claude” و”Gemini” ، كبديل علاجي أساسي، مما يمثل تحولاً جذرياً في آليات مواجهة الأزمات النفسية عبر التوجه إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على دعم علاجي.
ورغم الطموحات الكبيرة، تواجه هذه الأنظمة انتقادات حادة، وتحذيرات من قصورها الفني؛ إذ وجدت دراسة من كلية طب “ماونت سايناي”، أن النظام قد يخفق أحياناً في تفعيل تنبيهات الأزمات حتى في حالات تتضمن خططاً واضحة لإيذاء النفس، وتبرز المخاوف أيضا، من التعلق العاطفي المفرط، حيث كشفت نقاشات على منصات مثل “ريديت”، عن حالات تحول فيها الروبوت إلى “الصديق الوحيد” للمستخدم، مما قد يؤدي إلى نتائج مأساوية في حال قدم النظام استجابات غير مناسبة أو قلل من خطورة الحالة.
وتعمل “أوبن إيه آي” حاليا، مع أكثر من 170 خبيرا في الصحة النفسية لتحديث سلوك نماذجها، وتقليل مخاطر الارتباط العاطفي بالآلة. ومع ذلك، يظل التحدي الأخلاقي قائماً: هل نتحول نحو عصر يصبح فيه الذكاء الاصطناعي مراقباً نفسياً دائماً، يقرر متى يجب إشراك عائلاتنا في خصوصياتنا؟
بينما يرى الخبراء، أن التدخل المبكر قد ينقذ الأرواح، ويشددون على أن الاتصال البشري الحقيقي والخبرة السريرية، يظلان العنصرين الأكثر أهمية في إدارة الأزمات النفسية المعقدة.
خديجة بن عشور



