
أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، الخميس الماضي، صاروخ “أرتميس2″، في خطوة تاريخية تُعيد الإنسان إلى مسار القمر بعد انقطاع دام عقودًا منذ برنامج “أبولو” في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ولا تقتصر هذه المهمة على بلوغ القمر فحسب، بل تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الاستقرار والبقاء لفترات أطول، عبر تنفيذ سلسة من تجارب واختبارات تمهّد لتحقيق طموحات استكشاف الفضاء العميق وإرسال البشر إلى وجهات أبعد في المستقبل.
انطلقت الرحلة باستخدام صاروخ نظام الإطلاق الفضائي “SLS”، التابع لـوكالة الفضاء الأمريكية ناسا، حاملاً مركبة أوريون من منصة الإطلاق “39B” في مركز كينيدي الفضائي، وذلك عند الساعة 6:35 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة في الأول من أبريل. وتحمل المهمة على متنها 4 رواد فضاء في رحلة تجريبية تمتد لنحو 10 أيام، تدور خلالها المركبة حول القمر قبل العودة إلى الأرض.
اختبار أنظمة توليد الطاقة المعتمدة على الطاقة الشمسية
ويُعد برنامج “أرتميس” منصة اختبار متقدمة للتقنيات التي ستكون حاسمة في استكشاف الفضاء العميق. لأنّ المهام المستقبلية، وعلى رأسها الرحلات إلى المريخ، تتطلب أنظمة قادرة على العمل بشكل مستقل لفترات طويلة، في ظل دعم محدود من الأرض. وعلى سطح القمر، تخطط “ناسا” لاختبار أنظمة دعم الحياة التي تعيد تدوير الهواء والماء بكفاءة عالية، بما يسمح بالبقاء لفترات ممتدة في بيئات معزولة لا تحتمل الأعطال. كما ستُختبر أنظمة توليد الطاقة المعتمدة على الطاقة الشمسية، في ظروف قاسية تشمل ليالي قمرية طويلة قد تمتد لأسبوعين.
كما يمثل إرسال البشر إلى ما وراء مدار الأرض المنخفض، تحدياً علمياً وطبياً كبيراً لم يُختبر بشكل كافٍ منذ حقبة “أبولو”. ويوفر “أرتميس” فرصة لدراسة أداء رواد الفضاء خلال مهام أطول وفي بيئات أكثر قسوة. ويبرز الإشعاع الكوني كأحد أخطر التحديات، إذ سيتعرض الرواد لمستويات أعلى بكثير مقارنة برواد محطة الفضاء الدولية، الذين يستفيدون من حماية جزئية يوفرها المجال المغناطيسي للأرض. ومن هنا، يصبح فهم تأثير الإشعاع وطرق الحد من مخاطره أمراً محورياً لنجاح المهام المستقبلية.
تطوير أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على اتخاذ القرار
وفي جانب اللوجيستيات، يشكل “أرتميس” حقل اختبار لبناء منظومة إمداد متكاملة تمتد إلى ما وراء الأرض، تشمل نقل المعدات والوقود والمواد الأساسية عبر سلسلة من المهام المتتابعة. ويلعب مشروع “Lunar Gateway” دوراً محورياً في هذا السياق، إذ يُخطط له أن يكون محطة مدارية حول القمر تُستخدم كنقطة انطلاق للبعثات إلى سطحه والعودة منه، فضلاً عن كونه منصة للتعاون الدولي.
يعكس هذا النهج القائم على توزيع مكونات المهمة بين مركبات فضائية وأنظمة سطحية وبنية تحتية مدارية، التعقيد المتوقع في بعثات المريخ، حيث يتطلب الأمر تنسيقاً دقيقاً بين عناصر متعددة. كما تبرز أنظمة الاتصال كعنصر حاسم، فبينما يتيح القمر اتصالاً شبه فوري مع الأرض، ستواجه بعثات المريخ تأخراً زمنياً قد يصل إلى 20 دقيقة في كل اتجاه، ما يفرض تطوير أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على اتخاذ القرار دون تدخل مباشر.
لا مجال للخطأ في بيئة عالية المخاطر
وليست “أرتميس 2” اختباراً للآلات فقط، بل للإنسان أيضاً. إذ سيتم تزويد رواد الفضاء بأجهزة استشعار متقدمة لمراقبة المؤشرات الحيوية، بهدف فهم تأثير الرحلات الفضائية على الجسم البشري. ويعكس ذلك تحولاً في النظر إلى الطاقم، باعتبارهم جزء من منظومة بيانات متكاملة، تُستخدم نتائجها في تصميم المهام المستقبلية.
ورغم هذا التقدم، لا تخلو المهمة من تحديات كبيرة، تتراوح بين تعقيد الأنظمة وتعدد الشركاء وارتفاع التكاليف، إلى جانب التأخيرات والاختبارات الصارمة التي تسبق كل مرحلة. إلا أن هذه الصعوبات تعكس طبيعة المشاريع الفضائية، حيث لا مجال للخطأ في بيئة عالية المخاطر.لا يمكن النظر إلى “أرتميس 2” بوصفها مهمة معزولة، بل كحلقة ضمن مسار طويل يمتد نحو تحقيق هدف أكبر: تمكين البشر من الوصول إلى المريخ والبقاء هناك. فالقمر، في هذا السياق، ليس سوى محطة اختبار، بينما تكمن الغاية في تطوير تقنيات تجعل الوجود البشري خارج الأرض أمراً مستداماً.



