
أصبح الذكاء الاصطناعي جزء متناميا من الحياة اليومية للمستخدمين حول العالم، إذ يلجأ كثيرون إلى روبوتات الدردشة للحصول على إجابات سريعة وأفكار متنوعة ومساعدة في شؤون شخصية ومهنية، غير أن هذا الاعتماد المتزايد يرافقه مستوى مرتفع من الثقة قد يتجاوز الحدود الآمنة ويقود إلى مخاطر غير مرئية.
تشير التقارير الحديثة إلى أن المستخدمين يميلون إلى مشاركة تفاصيل حساسة مع روبوتات المحادثة، دون إدراك لطبيعة هذه الأنظمة، إذ لا تتمتع هذه الأدوات بالحماية السرية نفسها التي تميز العلاقات المهنية مع الأطباء أو المحامين أو المعالجين، ما يجعل أي معلومة يتم إدخالها عرضة للحفظ أو التحليل أو الاستخدام لاحقًا.
ومع تطور قدرات النماذج اللغوية واتساع استخدامها في الحياة اليومية، بات من الضروري إعادة النظر في طريقة التفاعل معها، خصوصًا أن هذه الأنظمة مصممة أساسًا لتكون مفيدة وجذابة وتفاعلية، وليس لضمان الخصوصية المطلقة للمستخدم.
الخصوصية ليست مضمونة كما يعتقد المستخدمون
يؤكد مختصون في الأمن الرقمي، أن روبوتات الدردشة يجب التعامل معها بوصفها فضاءات عامة وليست محادثات خاصة، إذ يمكن تخزين التفاعلات أو تحليلها أو حتى فهرستها بمرور الوقت، ما يجعل مشاركة البيانات الحساسة مخاطرة حقيقية قد لا تظهر نتائجها فورًا.
وتزداد الخطورة حين يقدم المستخدم معلومات يمكن التعرف عليها شخصيًا مثل الاسم الكامل أو العنوان أو البيانات المالية أو تفاصيل العمل أو الوضع الصحي، إذ قد تتحول هذه البيانات إلى عناصر ضمن ملفات رقمية دقيقة تستخدم لأغراض لا يتحكم فيها صاحبها. ورغم أن تقديم معلومات شخصية قد ينتج عنه ردود أكثر تخصيصًا، إلا أن هذا الإغراء يخفي خلفه احتمالات تتعلق بجمع البيانات وبيعها أو استغلالها تجاريًا، خاصة أن المستخدم لا يملك وسيلة واضحة لمعرفة ما يتم الاحتفاظ به أو تداوله عنه.
الإفراط العاطفي وتحويل المشاعر إلى بيانات
يلجأ عدد متزايد من المستخدمين إلى روبوتات الدردشة بوصفها مستشارًا شخصيًا أو مدربًا للحياة، فيشاركون مخاوفهم وحالاتهم النفسية ومشكلاتهم العاطفية، غير أن الخبراء يحذرون من أن هذه المشاركة قد تفتح بابًا لبناء أنماط خفية عن نقاط الضعف والسلوك.
وتكمن الإشكالية، في أن هذه الأنظمة تعمل ضمن اقتصاد قائم على جذب الانتباه، حيث يصبح تفاعل المستخدم نفسه مادة ذات قيمة، وتتحول ميزات التخصيص والذاكرة إلى أدوات لإبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل المنصة. لهذا ينصح مختصون بتقليل ما تحتفظ به هذه الأنظمة من معلومات، عبر تعطيل خصائص الذاكرة والتسجيل واستخدام عناوين بريد إلكتروني ثانوية، إضافة إلى إيقاف خيار استخدام البيانات في تدريب النماذج متى توفرت هذه الإمكانية.
التحقق والحذر خط الدفاع الأخير
يحذر الخبراء من التعامل مع مخرجات روبوتات الدردشة بوصفها حقائق مطلقة، إذ قد تحتوي الردود على أخطاء أو استنتاجات غير دقيقة أو معلومات غير موثوقة، نتيجة اعتمادها على أنماط لغوية لا على فهم حقيقي أو تحقق مستقل. كما أن هذه الأنظمة تميل إلى إرضاء المستخدم ومجاراة أفكاره، ما قد يعزز التحيز المعرفي ويحولها إلى مرآة لما يقدمه المستخدم نفسه، وهو ما يستدعي التحقق المستمر من المصادر وعدم الاكتفاء بإجابة واحدة.
وفي سياق آخر، تظهر مخاطر الاحتيال الرقمي، إذ يمكن لمحتالين تقليد أسلوب روبوتات الدردشة لخداع المستخدمين عبر مواقع أو روابط مزيفة، مستغلين الثقة المتزايدة في هذا النوع من التفاعل للحصول على بيانات الدخول أو المعلومات المالية. وينصح مختصون بتفعيل التحقق الثنائي ومراقبة أي نشاط غير معتاد وتجنب تسجيل الدخول عبر روابط غير موثوقة، إضافة إلى الانتباه للرسائل والبريد والمكالمات التي قد تحمل محاولات خداع مدعومة بأساليب ذكية.
إن الاستخدام الواعي لروبوتات الدردشة لا يعني التخلي عنها بل فهم حدودها، فهذه الأدوات قادرة على تسهيل الحياة اليومية وزيادة الإنتاجية، لكنها في الوقت نفسه تتطلب وعيًا رقميًا عاليًا يحمي الخصوصية ويقلل المخاطر في عالم باتت فيه البيانات أثمن من أي وقت مضى.
بن عبد الله ياقوت زهرة القدس



