
لطالما اعتقدت الولايات المتحدة أن تطويق الصين تقنيا عبر حرمانها من مفاتيح صناعة الرقاقات الإلكترونية سيبقى الحاجز الأخير أمام صعودها، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن بكين اختارت مسارا مغايرا، يقوم على كسر القيود من الداخل لا الالتفاف حولها فقط.
من مدينة شينزين انطلقت ملامح مشروع بالغ السرية يشبه في رمزيته المشاريع الكبرى التي غيرت موازين القوى في القرن الماضي، إذ استطاع باحثون ومهندسون صينيون الاقتراب من قلب الصناعة الأكثر تحصينا في العالم.
هذا التحول لم يأت عبر ضربة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل من العمل المنهجي الذي استثمر في المعرفة والوقت والموارد، ليضع فرضية الاحتكار الغربي أمام اختبار حقيقي.
اختراق تقني يعيد رسم موازين القوة
في مختبرات شديدة التحصين تمكنت الصين من تطوير نموذج أولي لآلة الطباعة الضوئية فائقة الدقة، التي تعد الأساس في صناعة الرقاقات المتقدمة.هذه الآلة تمثل العمود الفقري لكل الأجهزة الإلكترونية الحديثة من الهواتف الذكية إلى الأنظمة العسكرية، والسيطرة عليها تعني امتلاك مفاتيح التفوق في العصر الرقمي.
اللافت أن هذا التطور جاء خلافا لتوقعات خبراء كثر، رجحوا أن تحتاج بكين إلى عقد كامل قبل الاقتراب من هذه المرحلة.النموذج الصيني الحالي قادر على توليد الأشعة اللازمة للعمل وهو يخضع لاختبارات مكثفة لإنتاج أول رقاقة صالحة للاستخدام.
ورغم أن حجم الآلة أكبر من نظيراتها الغربية، فإن هذا الخيار جاء لضمان استقرار الإنتاج في المراحل الأولى. وتشير الخطط المعلنة، إلى استهداف إنتاج رقاقات تجارية في الفترة ما بين عامي 2028 و2030.
مشروع ضخم بعقلية أمن قومي
وصف مطلعون هذا الجهد بأنه مشروع وطني بالغ السرية، تشارك فيه شركة “هواوي” مع معاهد بحثية حكومية ضمن شبكة تضم آلاف المهندسين.الهدف المركزي يتمثل في تحرير سلاسل التوريد الصينية من أي اعتماد خارجي وتمكين البلاد من تصنيع الرقاقات بالكامل بآلات محلية.
هذا التوجه يعكس انتقال قضية أشباه الموصلات من نطاق الاقتصاد إلى دائرة الأمن القومي. ويرى محللون اقتصاديون أن نجاح الصين في هذا المسار سيمنحها نفوذا جيوسياسيا أوسع ويقلص هامش الضغط الغربي عليها.
وقد أعطيت الأولوية في هذا المشروع للاستخدامات الدفاعية بوصفها الأكثر حساسية وتأثيرا.العمل يجري في بيئة مغلقة تحكمها إجراءات أمنية صارمة تعكس حجم الرهان السياسي والتقني.
تفكيك الحصار وبناء البدائل
اعتمدت الصين على مسار طويل النفس لتجاوز العقوبات دون صدام مباشر، فاستثمرت في الهندسة العكسية وإعادة تدوير التكنولوجيا. واستقطبت بكين مهندسين سابقين في الشركة الهولندية المحتكرة للتقنية عبر حوافز مالية كبيرة وأخفت هوياتهم داخل المشروع.
جرى الحصول على قطع غيار من آلات قديمة عبر أسواق ثانوية ثم تفكيكها ودراسة تفاصيلها الدقيقة،ساعدت هذه الخطوة على بناء معرفة تراكمية حول واحدة من أعقد الآلات الصناعية في العالم.في الوقت نفسه، عملت مراكز أبحاث محلية على تطوير الأنظمة البصرية فائقة الدقة التي شكلت تاريخيا إحدى أعقد حلقات الاحتكار.ورغم بقاء تحديات تقنية قائمة فإن نجاح النموذج الأولي في توليد الأشعة المطلوبة يعني أن الاحتكار بدأ يتصدع.
تطمح الحكومة الصينية إلى بدء الإنتاج باستخدام هذه الآلات خلال السنوات القليلة المقبلة مع اعتبار عام 2030 موعدا أكثر واقعية،إلى أن يكتمل ذلك تعمل الشركات الصينية على تحسين تقنيات الطباعة الأقدم عبر أساليب متقدمة للوصول إلى مستويات دقة قريبة.
إذا تحقق هذا التحول، فإن أثره سيتجاوز حدود الصين ليطال فاعلية العقوبات وخريطة التصنيع العالمية وتسارع سباق الذكاء الاصطناعي.في المحصلة لا يمثل النموذج الصيني مجرد إنجاز تقني، بل دليلا على أن الحصار قد يتحول إلى محفز للابتكار، ومع اقتراب العقد القادم يستعد العالم لمرحلة جديدة أقل احتكارا وأكثر توترا في آن واحد.
بن عبد الله ياقوت زهرة القدس



