
دخل سباق الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة مرحلة غير مسبوقة من التنافس العالمي، حيث لم يعد الصراع محصورًا في تطوير نموذج أكثر ذكاء فحسب، بل امتد ليشمل من يملك القدرة على فرض معاييره التقنية عالميًا، وفي هذا السياق برز السؤال الجوهري حول ما إذا كانت الصين قد نجحت فعليًا في تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة أو تجاوزها بنموذج مختلف من الريادة.
شهد عام 2022 لحظة مفصلية للصين مع فرض قيود صارمة على تصدير الرقائق المتقدمة، تزامن ذلك مع الإطلاق الصادم لروبوت المحادثة الشهير الذي غيّر قواعد اللعبة عالميًا، ما دفع كثيرين إلى التشكيك في قدرة بكين على مجاراة السباق في ظل هذه التحديات
غير أن المشهد تغيّر بصورة لافتة خلال عامي 2024 و2025، حيث ظهرت نماذج صينية مفتوحة الوزن أعادت تشكيل خريطة الذكاء الاصطناعي، ولم تكتفِ بالمنافسة بل فرضت حضورها كلاعب رئيسي في قلب الساحة العالمية
من التبعية إلى بناء منظومة مستقلة
كشفت تقارير بحثية حديثة أن الصين انتقلت من مرحلة الاعتماد على نماذج خارجية كنقطة انطلاق إلى تطوير نماذج مستقلة ذات قدرات تنافسية، وهو ما يعكس تحولًا عميقًا في البنية البحثية والهندسية داخل البلاد.
بعد سنوات من استنساخ المعمارية التقنية للنماذج الغربية، بدأت المختبرات الصينية في بناء نماذج كاملة السيادة، مستفيدة من تراكم الخبرات والضغط التقني الذي فرضته القيود الخارجية
بلغ هذا التحول ذروته مع تصدر نماذج صينية قائمة التحميلات العالمية خلال عام 2025، متجاوزة نماذج اعتُبرت لفترة طويلة مرجعية في هذا المجال، وهو ما عكس انتقال مركز الثقل في الابتكار المفتوح نحو الشرق. وأظهرت بيانات الاستخدام أن المطورين الصينيين حصدوا نسبة أعلى من إجمالي التحميلات مقارنة بنظرائهم الأميركيين خلال فترة زمنية محددة، في إشارة واضحة إلى اتساع دائرة الاعتماد على هذه النماذج عالميًا
إعادة تعريف مفهوم التفوق التقني
لم يعد التفوق في الذكاء الاصطناعي يُقاس فقط بنتائج الاختبارات أو قدرات الاستدلال المجردة، بل بات مرتبطًا بمدى انتشار النموذج وسهولة استخدامه وقدرته على التكيّف مع احتياجات المستخدمين. أعاد هذا التحول صياغة مفهوم الريادة التقنية، حيث لم تعد النماذج المغلقة معيارًا وحيدًا للتميز، بل برزت النماذج المفتوحة بوصفها بنية تحتية قابلة للتملك والتطويع
في هذا الإطار نجحت الصين في تقديم رؤية مختلفة، إذ حوّلت الذكاء الاصطناعي من منتج احتكاري إلى منظومة مفتوحة تسمح للمطورين والمؤسسات بالتحكم الكامل في البيانات والتشغيل. وبات السؤال المطروح عالميًا لا يتمحور حول النموذج الأقوى خلف الأبواب المغلقة، بل حول النموذج الأكثر قابلية للانتشار والأقدر على إعادة تشكيل البنية الرقمية للاقتصادات والمجتمعات
لماذا اختارت الصين طريق النماذج المفتوحة
تميّز المسار الصيني بالتركيز على النماذج المفتوحة بوصفها خيارًا إستراتيجيًا طويل الأمد، إذ تمنح هذه النماذج المستخدمين حرية التشغيل والتعديل دون قيود صارمة. هذا التوجه حوّل الذكاء الاصطناعي من تكلفة تشغيلية متغيرة إلى أصل سيادي يمكن التحكم به محليًا، بعيدًا عن تقلبات الأسواق أو الضغوط السياسية
وجاء هذا التحول نتيجة إستراتيجية متعددة المحاور شملت توسيع قاعدة الشركات المشاركة في التطوير، والتركيز على كفاءة استهلاك الموارد، واعتماد تراخيص استخدام مرنة، والسعي إلى الانتشار الواسع بدل السعي وراء الكمال النظري ولم يعد التقدم الصيني مرتبطًا باسم واحد أو نموذج منفرد، بل بمنظومة متكاملة من النماذج المتخصصة التي تتكامل فيما بينها لتقديم حلول متنوعة، وهو ما يعكس نضجًا لافتًا في المشهد الابتكاري
بن عبد الله ياقوت زهرة القدس



