تكنولوجيا

قراءة مختلفة لانقسام سوق الذكاء الاصطناعي مع دخول العام الجديد

مع اقتراب عام 2026 تتجه الأنظار إلى سوق الذكاء الاصطناعي من زاوية أكثر حذرًا وواقعية، إذ لم يعد السؤال الأساسي عن حجم النمو بل عن هوية الرابحين الحقيقيين بين من يموّل ومن يصنّع التقنية فعليًا.

 

شهدت الشهور الأخيرة من عام 2025 اضطرابًا واضحًا في أسواق التكنولوجيا، حيث تتابعت موجات الصعود والهبوط بوتيرة سريعة ما أعاد إلى الواجهة مخاوف تشكّل فقاعة استثمارية في مجال الذكاء الاصطناعي،ويرى محللون أن هذه التحركات العنيفة لا تعكس فوضى عابرة، بل تمهّد لتحول أعمق في طريقة تسعير الشركات، إذ يبدأ السوق في إعادة النظر في القيمة الحقيقية لكل نموذج عمل على حدة.

من هذا المنطلق، يلفت مدير استثمار في أحد الصناديق النامية النظر إلى أن كثيرًا من المستثمرين الأفراد اندفعوا خلف العناوين الكبرى، دون تمييز دقيق بين الشركات التي تمتلك منتجًا واضحًا وتلك التي تستهلك السيولة أو تلك التي تستفيد بشكل غير مباشر من الإنفاق المتزايد.حتى نهاية 2025 بدا المشهد وكأن الجميع يحقق مكاسب، لكن واقع أن التقنية لا تزال في بداياتها يعني أن مرحلة الفرز لم تبدأ بعد.

 

خريطة المعسكرات الـ3

يقدّم التحليل تقسيمًا للسوق إلى 3 مجموعات رئيسية، هذا التقسيم لا يعتمد على حجم الشهرة بل على موقع كل شركة في سلسلة القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

المجموعة الأولى تضم الشركات الخاصة والناشئة التي تطور نماذج وتقنيات أساسية، وقد استقطبت هذه الفئة وحدها ما يزيد على 176 مليار دولار من رؤوس الأموال خلال الربع الأول من 2025 ،هذه الشركات تعيش على وعود المستقبل أكثر من أرباح الحاضر، ما يجعل تقييمها حساسًا لأي تغير في ثقة المستثمرين أو وتيرة التمويل.

المجموعة الثانية تشمل شركات التكنولوجيا الكبرى المدرجة في الأسواق، وهي التي تتحمل العبء الأكبر من تمويل البنية التحتية وتوسيع القدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.أما المجموعة الثالثة فهي شركات البنية التحتية التي تصنع المكونات الأساسية مثل المعالجات ومعدات مراكز البيانات، وهذه الفئة تستفيد مباشرة من موجة الإنفاق الضخم بغض النظر عن نجاح التطبيقات النهائية.

 

المخاطر الكامنة خلف الأرقام

يعتمد بعض مديري الصناديق على مقارنة التدفق النقدي الحر بسعر السهم للحكم على عدالة التقييمات، وهي طريقة تكشف أن كثيرًا من الشركات تتداول اليوم بعلاوات مرتفعة نتيجة الحماس حول الذكاء الاصطناعي.

يشير التحليل إلى أن الفقاعة إن وجدت فهي محصورة في قطاعات محددة، وليست ظاهرة شاملة تطال السوق بأكمله كما يعتقد البعض.الخطر الأكبر يبرز في الشركات التي جذبت استثمارات ضخمة دون أن تحوّل ذلك إلى أرباح فعلية، حيث يقود التفاؤل قرارات الشراء أكثر مما تقودها النتائج الملموسة.

في هذه البيئة، يصبح التمييز بين من يصنع قيمة اقتصادية حقيقية ومن يستهلك الموارد مسألة حاسمة، خصوصا مع اقتراب مرحلة محاسبة أدق على الأداء المالي.

 

تحوّل نماذج الأعمال وما بعده

شهدت شركات التكنولوجيا العملاقة تحولًا جذريًا في طبيعة أعمالها، إذ أصبحت أكثر اعتمادًا على الأصول الثقيلة مثل مراكز البيانات والمعالجات بدل التركيز الحصري على البرمجيات.هذا التحول يغيّر شكل المخاطر ويجعل تقييم هذه الشركات، كما لو كانت كيانات خفيفة الأصول أمرًا أقل واقعية، لأن حجم الاستثمارات الرأسمالية بات عنصرًا أساسيًا في حساب الربحية.

ورغم لجوء بعض هذه الشركات إلى الديون لتمويل توسعها فإنها لا تزال تحتفظ بوضع نقدي صافي إيجابي، وهو فارق جوهري بينها وبين شركات أصغر ذات هوامش أضيق.مع دخول عام 2026 ستبدأ تكاليف البنية التحتية في الظهور بوضوح أكبر في البيانات المالية، ما قد يضغط على الهوامش ويعيد تشكيل توقعات العائد.

الخلاصة أن السوق يتجه نحو مرحلة نضج تفرض على المستثمرين قراءة أعمق للأرقام، حيث لن يكفي الحديث عن الذكاء الاصطناعي بحد ذاته بل عن القدرة على تحويله إلى ربح مستدام.

زهرة القدس ياقوت بن عبد الله 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى