
شهدت الجزائر خلال سنة 2025 نقلة نوعين في قطاع الصناع، وطفرة متفرّدة في قطاعات المناجم والطاقة والطاقات المتجددة بشكل خاص، حيث ساهمت بشكل كبير في وتيرة إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى التي تراهن عليها الدولة، وذات بعد اقتصادي وطني إستراتيجي.
حيث إنّ الإستراتيجية الوطنية ترمي بالأساس إلى تفعيل هذا المسعى من خلال خريطة طريق جلية المعالم وفي كل الإتجاهات، وعليه سوف تشرع الوزارة الوصية مع بداية السنة الجديدة 2026، في استغلال منجم الحديد (غارا جبيلات) (تندوف)، الذي سيتم الشروع في الاستغلال المحلي لخام الحديد المستخرج منه بداية من الثلاثي الأول لعام 2026، وفق ما أعلن عنه رئيس الجمهورية، السيد “عبد المجيد تبون”، خلال اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 16 نوفمبر 2025، سوف يكون الحدث الإقتصادي البارز، كما شدد خاصة نزول وفد وزاري هام إلى المنطقة لمتابعة مدى تقدم التحضيرات لهذه الإحتفالية الوطنية.
وحسب المتتبعين للشأن الإقتصادي في الجزائر، فإنّ هذه الديناميكية المتسارعة في الإنجاز المتمثلة في دخول عدد من المشاريع الاستراتيجية الكبرى حيز الاستغلال مع مطلع السنة الجديدة، تؤكد بأنّ الدولة تضع ثقتها وإرادتها وجميع وسائلها المادية والبشرية من أجل تطوير الصادرات خارج المحروقات، الرهان الكبر الذي ألتزم به رئيس الجمهورية خلال حملته الإنتخابية سنة 2019، وهذا الإلتزام جزء من الإلتزامات الأخرى لاستكمال المشاريع الأخرى الجاري انجازها.
الحدث الأول من نوعه في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال
إنّ إطلاق استغلال المنجم (غار جبيلات) الذي يعد دون مراء من بين الأكبر المناجم عالميا باحتياطيات تقدر بنحو 5،3 مليار طن من خام الحديد، كما قال رئيس الجمهورية:” الحدث الأول من نوعه في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال، يعتبر في حدّ ذاته رسالة قوية لتوجه جزائري جديد يكرس مبدأ السيادة الاقتصادية وتنويع موارد البلاد خارج المحروقات”، ولهذا فقد تم تجسيد هذا المشروع المنجمي في ظرف وجيز جدا، حيث انطلقت الأشغال في جويلية 2022، ثم تمّ إطلاق مشروع مصنع المعالجة الأولية لخام الحديد شهر ديسمبر 2023، وستكون المرحلة المقبلة، الشروع في الاستغلال الحقيقي والرسمي.
كما أنّ هذا المشروع المنجمي الأضخم في العالم يتطلب سوف ضمان نقل خام الحديد من المنجم إلى مركب الحديد التابع لمجمع (طوسيالي) ببطيوة بوهران، وعليه سوف يتم مع بداية 2026 تدشين خط السكك الحديدية الجديد الرابط بين تندوف وبشار على مسافة 950 كلم بكامل مقاطعه، وكما سيكون الأمر نفسه بالنسبة لمشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة بتبسة، المرتقب استلامه السنة المقبلة أيضا.
حيث سيساهم بدوره، في جعل الجزائر كأحد الأقطاب الرئيسية المصدرة للأسمدة والمخصبات، مع توقعات ببلوغ إنتاج سنوي أكثر من 6 مليون طن من المنتجات الفوسفاتية. وعليه، فإنّ خط السكة الحديدية عرفت تقدما معتبرا في الانجاز خلال السنة الجارية لربط منجم الفوسفات بمشروع خط السكة الحديدية المنجمي الشرقي الذي يربط عدة مناجم بمصانع المعالجة والتحويل، حيث تم إنجاز كافة المنشآت الفنية والمعابر العلوية والسفلية المبرمجة في 2025، وبالتالي سوف يسمح عند استلامه بنقل أزيد من 10 مليون طن سنويا من الفوسفات المستخرج من بلاد الحدبة، بالإضافة إلى تحويله ومعالجته وتصديره، مما سيدر عوائد تصل إلى 2 مليار دولار سنويا.
وتم خلال السنة الجارية، بلغة الأرقام استكمال أشغال تحرير وتهيئة الرواق الخاص بازدواجية الخط المنجمي للسكة الحديدية بين بلديتي الدريعة ووادي الكبريت (ولاية سوق أهراس 17 كلم)، ضمن سياق مشروع عصرنة وازدواجية الخط المنجمي الشرقي (عنابةـ بلاد الحدبة- تبسة)، ناهيك عن منجم الزنك والرصاص بوادي أميزور (بجاية)، الذي يعتبر أيضا مشروعا هاما من حيث الاحتياطات القابلة للاستغلال، إذ تقدر بـ 34 مليون طن مع إنتاج سنوي منتظر بـ 170 ألف طن من مركزات الزنك، حيث من المرتقب جدا أن يعطي للقطاع المنجمي دفعا قوي ليس داخل الوطن فحسب، بل حتى دوليا، بحيث سيسمح باستحداث نحو 786 منصب عمل مباشر وأزيد من 4000 منصب عمل غير مباشر، فضلا عن تحقيق رقم أعمال يصل إلى 215 مليون دولار من هذا المشروع سنويا.
تنويع مصادر الدخل الوطني من القطاعات خارج المحروقات
كما تعزز القطاع المنجمي سنة 2025 بصدور القانون الجديد للمناجم، الذي يندرج في سياق الإصلاحات الرامية لتعزيز السيادة الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل الوطني من القطاعات خارج المحروقات، حيث كان محل تشاور واسع وتحضير لأكثر من 3 سنوات مع مختلف الفاعلين من أجل إثرائه، مجموعة من التدابير التحفيزية التي من شأنها جذب المستثمرين وخلق مناصب الشغل وتحفيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لولوجه، مع الالتزام بالمعايير البيئية والحفاظ على الموارد للأجيال القادمة.
حيث إن هذا القانون الجديد يرمي بالأساس إلى جذب الاستثمارات وتحقيق عائدات إضافية، في إطار شراكة عادلة والحفاظ على الرقابة المستمرة على الموارد مع تعزيز المحتوى المحلي في جميع مراحل النشاط المنجمي من الاستكشاف إلى الاستغلال.
وفي سياق متصل، ما يميز سنة 2025 أيضا، هو توقيع مجمع (سوناطراك) لسلسلة من الاتفاقيات في شتى المجالات على غرار مجال استكشاف المحروقات مع كبرى الشركات الدولية، خاصة في إطار المناقصة الدولية لاستكشاف واستغلال المحروقات في الجزائر (ألجيريا بيد راوند 2024)، التي عرفت اهتماما دوليا لافتا، ما يعكس نجاح هذه الأخيرة ويؤكد مجددا جاذبية مناخ الأعمال في القطاع، بفضل الإصلاحات التي عرفها والثقة التي يحظى بها الإطار التشريعي الجزائري دوليا.
تعزيز الشراكات الأجنبية في مجالات الاستكشاف وتثمين الموارد الوطنية
من جهتها، فإن الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات (ألنفط)، أكدت عزمها على إطلاق مناقصة جديدة لتقديم العروض للاستكشاف، مطلع سنة 2026، وهذا في إطار تعزيز الشراكات الأجنبية في مجالات الاستكشاف وتثمين الموارد الوطنية من المحروقات، من أجل تدعيم اكثر مكانة الجزائر كفاعل بارز في سوق الطاقة العالمي وممون موثوق للأسواق الإقليمية والدولية بالمحروقات.
وفيما يتعلق بالطاقات المتجددة، فإن الدولة قد سارعت في إطلاق عدة مشاريع عبر مختلف مناطق الوطن، خاصة برنامج 15 ألف ميغاوات من الطاقة المتجددة آفاق 2035، في شطره الأول المقدر بـ 3200 ميغاوات، والذي يعرف تقدما في الإنجاز، والذي سيدخل حيز الخدمة السنة المقبلة.
فضلا عن ذلك، فقد سبق لوزير الدولة، وزير المحروقات والمناجم، “محمد عرقاب”، أن أكد خلال جلسة رفيعة المستوى عقدت على هامش أشغال المؤتمر العام الـ 21 لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) المنعقد شهر نوفمبر 2025، عن “قطع الجزائر لأشواط كبيرة في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتطوير الهيدروجين التي أطلقت سنة 2023، باعتباره محورا رئيسيا في مسار الانتقال الطاقوي”.
حيث إنّ الهدف، يرمي بالأساس إلى تحقيق نمو صناعي مستدام ومتنوع ومنخفض الانبعاثات من بين هذه المشاريع، قامت الجزائر بعدة مبادرات من شأنها المساهمة في تطوير الهيدروجين الأخضر، على غرار الممر الجنوبي للهيدروجين “لنقل الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا”، ومشروع الربط الكهربائي (ميد-لينك) بين الجزائر وإيطاليا.
هشام رمزي



