الجهوي‎

قصر الصفيصيفة المعلم التاريخي والثقافي

جوهرة الأطلس الصحراوي التي تروي أسطورة الفن المعماري

في أعالي الأطلس الصحراوي الغربي، حيث تتعانق الجبال مع واحات النخيل، يقف قصر الصفيصيفة العتيق شامخًا كحارس للذاكرة وكنز من كنوز التراث الجزائري الأصيل. هذا المعلم التاريخي، الذي يعود تشييده إلى القرن الرابع عشر الميلادي (الثامن الهجري)، مُصنّف اليوم ضمن التراث الوطني المحمي، ويُعد شاهدًا على عظمة الحضارة العمرانية والاجتماعية التي ازدهرت بالمنطقة.

 

يمتد القصر على مساحة 37 هكتارًا، ويتخذ شكلاً مثلثيًا يمنحه موقعًا دفاعيًا متينًا لوقوعه فوق قمة صخرية. الدخول إليه يتم عبر بابه الكبير، إضافة إلى مداخل أخرى من الجهة الشمالية الشرقية. وقد بُني من الحجارة الصلبة والطين، وسُقفت منازله بأعمدة الصفصاف والعرعار والنخيل، في تناغم تام مع البيئة المحلية. ويضم القصر 212 مسكنًا متراصًا، تشكّل نسيجًا عمرانيًا متماسكًا يخترقه نسيج طرق ضيق ومعقد، صُمم بعناية لتقليل أثر الرياح وأشعة الشمس.

وللقصر أبواب أحد عشر، ثلاثة منها رئيسية ما تزال قائمة إلى اليوم (باب نات خالد، باب نات صديق، باب نات موسى)، تقود مباشرة نحو المسجد العتيق وساحة “تاشرافت أو تجماعت”، حيث كانت تُقام التجمعات الشعبية والمناسبات الدينية والاجتماعية. كما يحتوي القصر على تسعة أضرحة وخمسة مقابر، فضلًا عن زاوية سيدي أحمد بن موسى التي ظلّت عبر القرون منارة للعلم ومركزًا للروحانية.

وتحكي الذاكرة الشعبية أن القصر كان يحيط به 18 برجًا دفاعيًا لحماية البساتين والواحة ومنابع المياه، اندثر معظمها وبقي بعضها شاهدًا على عبقرية أجداد صاغوا من الحجر والطين حصنًا يحمي الإنسان والأرض معًا.

أما عن التسمية، فيرجع أصل كلمة “تنانت” أو “تنّانتّ” إلى معنى “البلاد المحمية”، في إشارة إلى موقع القصر الحصين بين جبلين. أما اسم “الصفيصيفة” فيرتبط بأشجار الصفصاف التي كانت تنتشر بكثرة بالمنطقة، وفق روايات الشيوخ والأعيان.

ولم يكن قصر الصفيصيفة مجرد حصن عسكري أو تجمع سكني، بل كان منذ القدم مركزًا استراتيجيًا يربط بين تلمسان والصحراء، وملتقىً للقوافل التجارية التي كانت تعبر المنطقة محملة بخيراتها. وهو اليوم، رغم صراع القرون، ما يزال رمزًا لهوية ضاربة في عمق التاريخ، وواحةً تحتفظ بعبق الماضي وإرث الأجداد.

قصر الصفيصيفة، بما يحمله من أسرار وأمجاد، ليس مجرد حجارة صامتة، بل كتاب مفتوح على صفحات الحضارة الإنسانية في جنوب غرب الجزائر، ينتظر من يقرأه ويعيد إحياءه للأجيال القادمة.

ابراهيم سلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى