حوار

“شارف أفغول عبد الوهاب” رئيس غرفة الصناعات التقليدية والحرف لولاية وهران لِ”البديل”:

"الحرفة تتغلب على التكنولوجيا ويجب إعادة بعث النفخ على الزجاج بوهران"

تعتبر الصناعات التقليدية والحرف من أهم العناصر المكونة لأساسيات هوية كل شعب، ودليل على ثقافة كل أمة ومسيرة بلد عبر التاريخ، ولأن وهران جوهرة المتوسط عرفت مرور عديد الحضارات، فقد اكتست أهمية بالغة في المحطات التاريخية التي مرت بها الجزائر، وهو ما جعلها تكتنز تراثا ثقافيا وماديا، يحكي أصول ومميزات من مروا عليها كشعب وغزاة، كاللباس، الطعام، الشعر، القصص، الموسيقى…. 


 

ولمعرفة وضعية الصناعات التقليدية والحرف بوهران وما الذي ينقصها وكيف يتم تطويرها، زارت جريدة “البديل” رئيس غرفة الصناعات التقليدية والحرف لولاية وهران، “شارف أفغول عبد الوهاب”، وقامت بدردشة خفيفة معه، هذا نصها:

 

أهلا، هل يمكن تقديم معطيات عن حرفيي ومهنيي غرفة الصناعات التقليدية والحرف لولاية وهران؟ 

مرحبا، تضم غرفة الصناعات التقليدية والحرف لولاية وهران، ما يناهز 13 ألف حرفي بوهران، موزعين على 336 حرفة، يمارسون حرفهم وفق الفئات الثلاثة (فنية وإنتاجية وخدماتية). وهم حرفيون حاصلون على بطاقة الحرفي التي تجعلهم يمارسون نشاطهم بصفة قانونية ومنخرطون في الصندوق الوطني لغير الأجراء، إلى جانب استفادتهم من كل المزايا التي تمنحها لهم الوصاية.

 

ما هو معيار الاعتراف بحرفية الفرد؟ وكيف تمنح بطاقة الحرفي؟ 

أول شخص يمكنه أن يكون حرفيا، هو الفرد الذي كبر في عائلة مهتمة وتتقن حرفة تقليدية، كما أنه يوجد أشخاص يميلون لممارسة هذا النشاط. بيد أن هذا المعيار لا يعتبر معيارا مهما في منح “بطاقة الحرفي”، بل هناك شروطا يجب أن يتوفر عليها طالب البطاقة، وهي شهادة التأهيل التي تمنحها غرفة الصناعات التقليدية والحرف، بعدما يجلب الشخص المغني بالبطاقة تصريحا شرفيا بأنه ينتمي إلى عائلة تمارس هذا النشاط، إضافة إلى خضوعه لامتحان من أجل معرفة إمكانياته وقدراته، ناهيك عن إخضاعه لتربص يكون 3 أيام، يستفيد خلالها المتربص من شروحات حول كيفية تسييره لمشروعه وهو في بداية عمله، ليحصل على شهادة التأهيل التي تسمح له بالحصول على بطاقة الحرفي، إضافة إلى إمكانية حصوله عليها باستظهار شهادة التكوين المهني.

 

ماهي مزايا الحصول على بطاقة الحرفي؟

عندما يتم إثبات جدارة الفرد في الحصول على بطاقة الصحفي، فإنه يخضع إلى تكوين يدوم 3 أيام، يتلقى خلالها شروحات واسعة حول امتيازات بطاقة الحرفي كونها تماثل السجل التجاري والمزايا التي يحصل عليها من طرف كل المؤسسات التي تسخرها الدولة لدعم الصناعات التقليدية والحرف، خاصة وأنه يدفع ضرائب سنوية، على غرار الاستفادة من التقاعد، التحاليل الطبية وفق التعاقدات المبرمة مع المؤسسات الصحية في الإطار والمقدرة ب50%، التأمين والانتماء إلى التعاضدية التي توفر له عدة امتيازات كالطب، طب الأسنان، بطاقة الشفاء….

كما أن امتلاك الحرفي لخبرة 5 سنوات في حرفته، تسمح له بإمضاء اتفاقية مع الغرفة، تفسح المجال له ليصبح حرفياً معلما يكون المتربصين.

 

 

هناك من الحرفيين من يظن أن بطاقة الحرفي تلزمه بدفع الضرائب فقط، وهو ما يدفعه للنشاط خارج القانون، كيف يمكن إقناعه بالعكس؟

طبعا، هناك من يملك البطاقة يجهل الامتيازات التي توفرها له، وهناك من يرى أنها بدون فائدة، لهذا يتجنب الحصول عليها، غير أننا في زمن التكنولوجيا و علينا استغلال كل الوسائل المتاحة من أجل نشر المعلومة وتعميمها للفائدة.

وفي هذا الإطار، هناك صفحة فايسبوكية خاصة بغرفة الصناعة التقليدية والحرف، ننشر عبرها كل ما هو جديد وله علاقة بالقطاع، ليطلع عليها الجميع، ناهيك عن استقبال مقر الغرفة لجميع الزوار والرد على كل استفساراتهم، وتزويدهم بالمعلومات اللازمة.

 

ما هي الفئة الحرفية الأكثر إقبالا على الغرفة؟ وما هي التكوينات المتوفرة بالغرفة؟

الجميع يزور غرفة الصناعات التقليدية والحرف، لكن أغلب الحرفيين هم ممن يمارسون الصناعة التقليدية الفنية، وذلك للاستفسار عن المعارض من أجل الترويج لمنتجاتهم، أما الخدمات فحضورهم قليل. وفيما يخص الشق الثاني من السؤال، فإن عدة تكوينات توفرها غرفة الصناعات التقليدية والحرف للراغبين في عدة مجالات، تفاعلا مع الطلبات، والتي ركزت في الفترة الأخيرة على صناعة الشموع، العطور، الصابون وتقطير الزيوت هذه الحرفة الأخيرة التي يشرف عليها أستاذ مكون له شهادة عليا في المجال، مع العلم أنها تكوينات مدفوعة الأجر، وتختلف مدتها، فهناك تكوينات تقدر ب96 ساعة، تقسم على 3 شهور وهناك من تصل الى6 أشهر وهناك دروس مسرعة، لأن الحرفي يأخذ القواعد الأساسية لممارسة الحرفة ثم يعززها بلمسته الشخصية مع مرور الوقت واكتساب الخبرة.

 

هناك توجه خاص للزبائن، فقد أصبحوا يفضلون المنتجات المصنعة مقابل المنتجات المصنعة يدويا، لماذا؟

هذا صحيح، فالكثير من الناس لا يفقهون في قيمة المنتج بغض النظر عن السعر، لهذا تجدهم يقبلون على اقتناء المنتجات المصنعة لانخفاض أسعارها، عكس المنتجات المصنوعة يدويا والتي تكلفة أسعار تفوق تلك المصنعة، وذلك لعدة أسباب، أهمها أنها تأخذ وقتا وجهدا طويلين من الحرفي، مما يجعل تلك التحفة مليئة بالمشاعر، عكس الآلة التي تصنع المئات في أقصر وقت. ولكن هذا لا يمنع أنه يوجد أيضا فئة من الأشخاص يفضلون التحف المصنوعة يدويا، ينفردون بتحف فريدة ومميزة، لاسيما ما تعلق بالملابس التقليدية، الحلي وبعض التحف الأخرى.

 

اليوم التكنولوجيا طغت على كل المجالات، هل تراها خطرا على الصناعات التقليدية والحرف؟ 

التكنولوجيا ابتكرت لتسهيل الحياة اليومية للأفراد، وحتى في الصناعات التقليدية والحرف يمكن الاستعانة بها، لكن اللمسة الإبداعية الشخصية تبقى لها خصوصياتها. مثلا الحرفي الخياط يتجه إلى آلة التطريز التي يطعمها بنوع الطرز ويفتح لها المجال لتنقله على القماش بسرعة ودقة بأسرع، أفضل من تضييع الوقت باليد، لكن الطرز التقليدي يبقى له سحره الخاص، والدليل أن بعضاً من ألبسة الأمير عبد القادر التقليدية والمطرزة بالذهب لاتزال تتمتع بجودتها إلى اليوم.

الصين و اليابان من أكبر البلدان الربوتية، إلا أن الشعب فيهما يشتغل ويبحث عن العمل، ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لن يكون خليفة للإنسان وإنما يجب مراعاة الجديد في التكنولوجيا من أجل مواكبة التغيرات.

 

الكثير من الحرفيين يشتكون من الاستيراد الذي يهدد مستقبلهم، هل هذا صحيح؟ وما هي الحرف التي اندثرت؟

بالطبع، فقد عشنا سنوات مضت، كاد الاستيراد أن يقضي على الأخضر واليابس، بعدما فتح المجال لاستيراد الكثير من المنتجات لاسيما من الصين، وهو ما شكل تهديدا حقيقيا لمنتجاتنا التقليدية، فقد أصبح الإشهار للمنتوج الأجنبي على حساب المنتوج المحلي بعدما كان سابقا المنتوج الجزائري كان ينافس ماركات عالمية، بسبب الجودة.

وبالحديث عن هذا الموضوع، يحز في نفسي ما تعيشه وهران من اندثار تام لحرفة “النفخ في الزجاج” التي كانت تميز ولاية وهران، واضطر الحرفي الوحيد “ابراهيم” وهو رئيس سابق للغرفة، والذي تفنن وأبدع فيها إلى تركها والانصراف إلى مجال آخر، بعدما أغرقت السوق المحلية بالمنتجات الصينية المقلدة بأسعار منخفضة. وفي هذا الشأن، فإنه يتعين على الجهات المعنية إعادة بعث هذه الحرفة الثمينة والمميزة، لاسيما وأن موادها الخام متوفرة بكثرة، فهي تعتمد أساسا على الزجاج المكسور والمياه بوقرة. كذلك هناك أزمة كبيرة في صناعة المجوهرات التقليدية، بسبب نقص المادة الأولية وذلك غلق باب الاستيراد، هذا الأخير الذي كانت له تداعيات إيجابية سمحت بالعودة التدريجية لبعض الحرف على غرار صناعة الأحذية…

 

ماهي المشاكل التي يعاني منها الحرفي؟

هناك مشكلة جد هامة، خاصة في 2025 تتعلق بالزيادة في الضرائب، بعدما كان الحرفي يدفع 10 آلاف دج في السنة، ارتفعت الزيادة لتصل 30 ألف دج، وهو ما أصبح يمثل عبئا على الحرفيين خاصة أولئك الذين يقطنون بالمناطق النائية، وهو ما يستدعي إعادة النظر من طرف الجهات الوصية.

كما نطالب بتخصيص محلات للحرفيين بالأحياء السكنية، على أن يتم اختيار الحرف التي لا تثير الضجيج والفوضى بين السكان، كالخياطة، الحلاقةوهنا يجب التنويه بقرار رئيس الجمهورية القاضي بتخصيص منطقة نشاط للحرفيين، والتي يجب أن يراعى في دراسة مشروعها، وجود الحرف التي تخلق الازعاج بالأحياء السكنية مثل الميكانيك، غسيل السيارات.

 

ما هي النشاطات الإضافية التي توفرها غرفة الصناعات التقليدية والحرف؟

هناك الكثير من الخدمات المقدمة، على غرار ضمان تكوينات للمساجين بعد عقد اتفاقيات تعاون مع المؤسسات العقابية، حتى يتمكن السجين من الحصول على شهادة تؤهله للاندماج في المجتمع بعد مغادرته السجن، بإطلاقه لمشروعه الخاص بدعم من مؤسسات الدولة المخولة لذلك. ناهيك عن تنظيم اختبارات للأفراد الذين يتلقون تكوينات بدور الشباب و الثقافة من أجل منحهم شهادات تأهيل، خاصة وأن هذه الفضاءات تسهل تجمع ولقاء للنساء الريفيات، وغيرها من الخدمات.

 

هل من كلمة أخيرة؟

نتمنى كحرفيين أن تأخذ السلطات الوصية مطالبنا بجدية، لأننا لا نساهم فقط في الحركة الاقتصادية والتنموية، وإنما نحافظ على هويتنا وثقافتنا وتراثنا، بما يعزز انتماء أمتنا، والدليل اعتماد هيئة اليونسكو الأممية للعديد من تقاليدنا وتراثنا على غرار القفطان، الكسكس، إضافة إلى العمل على إعادة إدراج ماكان يسمى سابقا “الأشغال اليدوية” في المدارس، حتى يتم اكتشاف المواهب ومن يملكون شغف الاهتمام بالصناعات التقليدية والحرف.

كما أشكر جريدة “البديل” على منحنا هذه الفرصة للخوض في هذا القطاع الحساس والمهم في التنمية المحلية، الاقتصاد وتعزيز الهوية.

 

من هو “شارف أفغول عبد الوهاب”؟

“شارف أفغول عبد الوهاب”، من مواليد المدينة الجديدة سنة 1966، التي كانت تمتاز بالحرفيين آنذاك وانتشار الورشات على غرار الطين، النحاس، الخياطة، الحذاء مع الوقت اندثر الحرفيون وعوضهم التجار. وخلال فترة شبابه، انجذب إلى الخياطة، وبعد البحث في العائلة تبين أن جده كان خياطا. التحق “عبد الوهاب” بإحدى الورشات عند خياط في سن 16 وهناك تتلمذ على يد كل من الخياطين “عبد القادر ولحسن”، لينطلق فيما بعد في خياطة الملابس التقليدية ويتخصص في اللباس النسائي وبعدها يوسع اهتمامه إلى اللباس الرجالي، ويبقى محافظا على حرفته إلى اليوم، التي ينشط فيها كخياط، ويتولى منصب رئيس غرفة الصناعات التقليدية والحرف لولاية وهران الواقع نقراها بميرامار.

حاورته: ميمي قلان 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى